فما دامت القضية لا تتجاوز التصور ، فإن النملة تمتلك القدرة على تصور الرب ، ولكن من واقعها وشعورها .
وقد وقع بعض البسطاء من المسلمين في ذات الخطأ ، فقالوا : إن الله شخص عنده لحية بيضاء طويلة ، ويركب الحمار لينزل إلى الأرض في ليالي الجمع ، فكان بعضهم يضع حزمة علف على سطح بيته في كل ليلة جمعة ، حتى يأكل ما فيها حمار الله . ( سبحانه وتعالى عن الأمثال ) .
وسبب هذه التخيلات خضوع الإنسان لخياله المحدود عند تصور الله ، فيتصوره تارة من واقعه وطبيعته كإنسان فيحسبه كذلك ، أو من واقع المجتمع وطبيعته تارة أخرى ، فينعكس الوضع الاجتماعي على تصوره لله أيضا ، فلأن علاقة المجتمع الجاهلي بالتجمع الإيماني مادية فهي صلفة ، فإنهم لم يكن بمقدورهم تصور الرحمة صفة من صفات الله ، فلا عجب أن يرفضوا أمر الرسول لهم بالسجود للرحمن . فقالوا : وَمَا الرَّحْمَنُ ؟ .
فهذا اسم جديد على واقعهم ليس بعيدا أن يستغربوا منه ، فواقعهم مشبع بالخوف والإرهاب وما إلى ذلك من الصفات المشينة .
وَزَادَهُمْ نُفُوراً لم يكن أمر الرسول لهم بالسجود لله إلا لجمع شتاتهم . كي تشرق عليهم شمس الرحمة ، وتلفهم غمامة اللطف الإلهي ، ولكنهم لعمق الإحساس بالإرهاب والخوف وما أشبه من الصفات الرذيلة نفروا حتى من هذه الكلمة كما تنفر الإبل المذعورة .
ويعبر هذا النفور عن مدى الجهل الغارقين فيه ، والذي لا يزال جاهليو العصر يغرقون فيه أيضاً ، ولا فرق بين الجاهليتين إلا أن إحداهما حديثة والأخرى قديمة .
فلو نهض رسالي يدعو الشرق الملحد ، والغرب المشرك للسجود للرحمن ، وإشاعة السلام والعدل في أرجاء المعمورة لردوا وَمَا الرَّحْمَنُ ؟ أيضاً ، وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون .
من آيات الكون
[ 61 ] تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً ربما تشبه كلمة تَبَارَكَ كلمة التكامل في منطقنا الحديث ، فالمبارك يعني واسع الخير وثابته ، أو المتكامل الذي ينمو - وتعالى الله عن النمو لأنه - الكامل الذي لا كمال بعده :
« الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَلَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ وَلَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَلَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ »
« 1 » كما قال الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : من خطبة له عليه السلام يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض .