يعطيه قوة ، لتتعالى بها عن أمواج الشهوة والعصبية . كيف ؟ .
لنضرب مثلا : من لا يملك إلا دينارا واحدا وخشي عليه من السرقة ، يكون كل تفكيره في ديناره ، حتى يكاد ينظر إلى الدنيا كلها من خلالها ، أما من يملك مليون دينار غيره فهو يتغافل عن ذلك الدينار الواحد ، فحتى لو سرق منه فله ما يسليه عنه .
هكذا الذي يؤمن بالجنة ، يتسلى عن شهوات الدنيا ، ويتغلب نفسيا عليها ، وبالتالي يقوى على مقاومة ضغوطها .
كذلك من يخشى النار ، فإن قلبه يلهو عن مصيبات الدنيا . أو ليست هي حقيرة جدا إذا قيست بسعير جهنم ؟ ! .
وهكذا يسمو قلبه عن الحب والبغض ، وعن الشهوة والغضب ، عن العصبية والعداوة ، ويتعالى على الخوف والطمع ، فيرى الحقائق كما هي لا كما توحي به مصالحه الآنية .
كذلك الذين كفروا بالرسالة لأن الرسول لا يملك كنزا أو جنة يأكل منها ، أو لم ينزل معه ملك نذير . إنما هم مرضى القلب ، ولا بد أن يستشفوا وشفاؤهم في التذكرة بالساعة ، حيث تتضاءل عندها ثروة الدنيا ومصيباتها ، وعندها تتحرر أفئدتهم من قيود الشهوات .
ومن هنا كانت الآية هذه والتي نتلوها بيانا لسبب كفرهم ، وأيضاً شفاء لمرض كفرهم .
ويستمر السياق في وصف النار ليزداد القارئ تجردا عن أغلال القلب ، وبالتالي يزداد إيمانا بالكتاب . ذلك أن القرآن لا يجادل الكفار بالرسالة فقط ، وإنما هو يزيد إيمان المؤمنين بها عبر إنذارهم بالساعة ، فكلما وعوا حقيقة العذاب كلما أبصروا بنور قلوبهم حقائق الوحي أوضح وأجلى .
صور من العذاب
[ 12 ] ومن صفات جهنم أنها تلتقط طعمتها من مسافة بعيدة لقوة جذبها ، فإذا رأت أصحابها مصفدين بالأغلال ، مستسلمين لا يملكون حراكا ولا هربا ، فإنها تسحبهم بلهيبها ، وفي الوقت نفسه تستعر استعارا شديدا وبصوت رهيب وهذا هو التغيظ . كل ذلك لاستقبال أعداء الله والرسالة ، وفي الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام قال :
« مِنْ مَسِيرَةِ سَنَةٍ »
« 1 » . إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وبالإضافة إلى ذلك فإنهم لا يدخلون جهنم دخولا عاديا ، وإنما يهوون فيها لأنها موجودة في مكان سحيق .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 8 ص 254 .