بكل معنى الكلمة ، وحين يدعو شخص أحدا إلى فكرة فإما يرفض أو يقبل ، وأما أن يعلن الحرب ضده ، ويتهمه بالجنون ، فإنه الظلم ذاته ؟ ، لأن عدم اقتناعه بالدعوة - لو افترضناه - لا يسمح له أن يمنع الناس من قبولها .
[ 9 ] عندما بدل الكفار المقاييس ، ضربوا الأمثال لمقاييسهم الخاطئة ، حيث أرادوا الرسول قيادة كقياداتهم ، كي يستجيبوا له ، فطالبوا بملك كرمز لقيادة أصحاب القوة ، أو كنز كرمز لقيادة أصحاب الثروة ، أو جنة كرمز لقيادة أصحاب الأرض ، ولكن ماذا كانت تبعة هذا الخطأ الفادح ؟ ، إنها الضلالة لا غير انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا .
وحينما قاسوا قيادة الرسول بالقوى المادية ، حرموا أنفسهم من فهم الحقيقة ، ولا سبيل لهدايتهم ما دامت الأفكار الجاهلية تستبد بعقولهم .
[ 10 ] تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً إذا شاء الله جعل للرسول جنات وقصورا ولكن أين كل ذلك ؟ .
قال بعض من المفسرين : إن المراد من ذلك - جنات وقصورا - في الدنيا وذلك محتمل ، إلا إن الأفضل القول : بأن ربنا يذكر بالآخرة ، فليست الدنيا آخر المطاف بالنسبة للإنسان .
لهذا جاء الرد الإلهي بأن الرسول كريم على الله وهو يحبه ، ولكنه لا يعطي له الدنيا جزاء لعمله ، لعدم كونها في مستواه ، بما فيها من زخرف وزينة ، وكذلك يتعامل الله مع المؤمنين ، ويسند هذا الرأي قوله تعالى مباشرة بعد هذه الآية :
[ 11 ] بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً فهم إنما اقتصروا في مقاييسهم على الدنيا لتكذيبهم بالعالم الآخر ، وما جزاؤهم سوى السعير .
إن آيات الذكر تعالج الأمراض النفسية التي تصيب القلب وتمنع عنه الرؤية . أرأيت من غرق في لجة ، وتكاثفت عليه الأمواج ، هل يقدر على الاستقرار ، أو السيطرة على نفسه . كذلك الذي تتقاذفه أمواج الشهوات ، وتعصف به عواصف العداوة والغيظ .
فلكي يستقر هذا القلب الذي يتقلب على كف الشهوة والغضب ، حتى يفكر بموضوعية ، ويستضئ بنور العقل المودع فيه ، ويعود إلى فطرته التي خلق عليها ، لابد له من مرساة يحفظ سفينته عن هيجان الأمواج . لابد له من قوة تصونه من التقلبات . وإن الإيمان بالساعة لهو تلك المرساة وإنه لتلك القوة .
إن الإيمان بالساعة يعطي النفس موضع استقرار ينطلق منه نحو تقييم سائر الأشياء ، إنه
من هدى القرآن — صفحة 107
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٧