إلا الحسرة .
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ
أولًا : يجسد أحد الرجلين الأيمان المتسامي عن زينة الحياة الدنيا ، بينما يستبد بالآخر حب الدنيا ، ويشغله متاعها الزائل .
ثانياً : امتلاك الرجل لأكثر من جنة ، يشير إلى بعض الأساليب الاقتصادية التي يلجأ إليها الرأسماليون لضمان تدفق الأرباح عليهم ، فإذا خسرت جنة هنا فإنَّ الجنة الأخرى والتي تكون في مكان آخر .
مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً وهذه طريقة يلجأ إليها المزارعون ، فيحيطون بساتينهم بأشجار مقاومة للرياح والأعاصير كالنخيل ، ويزرعون الأعناب في الوسط ، والأرض المتبقية بين هذه وتلك يزرعونها بالخضراوات المختلفة .
[ 33 ] كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا شاء الله سبحانه أن يملي لذاك الرجل فأفاض عليه الخير فيضاً ، وأذن للجنتين أن تدرا المحاصيل الوفيرة ، وهكذا إذا أراد الله بعبد سوءاً - لسوء نيته - فإنه يوسع عليه النعم في بعض الأحيان ، ليستدرجه ويبتلي ما في داخل نفسه من سوء وفساد .
وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً لقد أعطى الله لذلك الإنسان تلك الجنان ، فأعطت صاحبها كل ما يتأمله منها من ثمار طيبة ، ولم تظلمه ولكنَّه ظلم نفسه ، فواجه إحسان الخالق إليه بالإساءة إلى نفسه ، عبر غروره واستكباره ، وإعراضه عن شكر ربه المنعم المتفضل .
دركات الهبوط
[ 34 ] وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ الملاك والفلاحون ومن لهم ارتباط بالأرض والزراعة ، يعلمون أن لحظة الحصاد لحظة سعيدة في حياتهم ، تبعث في أنفسهم الغرور ، لأنهم بعد صبر وانتظار طويل يرون الثمار وهي وفيرة وزاهية ، فيختالون وكأنها ثمرة جهدهم ، وينسون أن الله هو الذي زرعها وأينعها في هذه اللحظة .
فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَراً أخذ يتعالى على الآخرين ، اعتماداً على أشياء وقتية زائلة ، وليس في الآيات دلالة على أن هذا الرجل كان له أنصار ، ولعلَّ غروره دفعه إلى الاعتقاد بأنه ما دام يملك شيئاً من المال فكأنه يملك الناس أيضا ، لذلك قال :
من هدى القرآن — صفحة 53
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٣