هدى من الآيات :
سبق وأن تحدثنا عن الإطار العام لسورة الكهف ، والذي يبين لنا نوعين من العلاقة بين الإنسان والطبيعة هما :
أولًا : علاقة السيطرة والتسخير للطبيعة .
ثانياً : علاقة الانبهار بما فيها من زينة .
وفي هذه المجموعة من الآيات يضرب القرآن مثلًا من تلك العلاقة التي تربط الكفار بالدنيا ، فيعتمدون عليها ويحسبون إنها خالدة لهم ، ولكنها لا تلبث أن تنتهي ، وإذ ذاك يكتشفون أن العلاقة الصحيحة ينبغي أن تكون بينهم وبين ربهم ، وأن الولاية الحق هي لله لا للمال والثروة ، ولا للجاه والسلطة .
بينات من الآيات :
بين الشكر والكفر
[ 32 ] رجل أعطاه الله جنتين ، وتوفرت له كل أسباب الزينة فبطر بها ، وبدل أن يشكر ربه اغتر بما أعطاه من ثروة ونعمة ، وبدل أن يعتز بمن أعطاه هذه النعمة ، اعتّز بالنعمة ذاتها ، في حين أن من أعطي النعمة خالد دائم والنعمة منقطعة زائلة ، وهو أولى بالشكر والعبادة منها .
وحينما جادله صاحبه في هذا الأمر جدالًا حسناً ، وحاول أن يذكره وأن ينذره ويحذره من عاقبة بطره وغروره ، أخذته العزة بالإثم ، فكان مصيره أن خسر جنتيه ولم تبق له إلا أرضاً جرداء خاوية على عروشها ، قد غار ماؤها واحترق زرعها وأصبحت صعيداً جرزاً .
وهكذا فقد استولت على الرجل كآبة فجرت قلبه ، وندم ندماً شديداً على اغتراره بالنعمة ، واعتزازه بالولد والعشيرة الذين لم ينفعوه شيئاً في محنته .
أما ذلك الرجل الفقير بماله وعشيرته ، والغني بإيمانه بربه وتوكله عليه ، فقد أخذ يردد هناك : هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ .
وفي حديثه عن الجنتين ، وعن علاقة ذلك المشرك بهما ، يبين لنا القرآن بعض ضروب وعوامل الغنى التي وفرها لنفسه ولكنها لم تغنه عن الله شيئاً ، فأصبح يقلب كفيه وليس فيهما
من هدى القرآن — صفحة 52
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٢