وربما تختلف الصلاة التي يذكرها في أول الصفات عن هذه التي في آخرها ، فبينما الخشوع في الصلاة يعني في ذات الصلاة ، وهو أصل الإيمان وحقيقته ، أما المحافظة على الصلاة فهي المحافظة على حدودها ، وهذا يوضح ما للصلاة من انعكاس على جميع أبعاد الحياة لدى الفرد ، فأي انحراف في أي بعد يؤثر على صلاته ، وهكذا تعني المحافظة عليها الالتزام بسائر الحدود الشرعية ، والمؤمنون لا يتهاونون في الأحكام الشرعية بحدودها ، وشرائطها ، باسم جوهرها . فلا يتركون الصلاة مثلًا بحجة أن الخشوع هو الأصل فيها ، فإذا تحقق فلا أهمية للركوع والسجود ، كما يتصور ذلك بعض المتصوفة ، إذ تراهم لا يحترمون الحدود الشرعية بزعم أنها وسائل للوصول إلى الحق ، وأنهم يصلون إليه عبر وسائل أخرى ، وأنهم إذا بلغوا الحق واتصلوا به سقطت عنهم التكاليف لأن الله يقول : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 99 ] وهم - في زعمهم - قد أوتوا اليقين .
كلا . . المؤمنون حقاً هم المحافظون على حدود الصلاة ، ولكنهم لا يلتزمون بالحدود فقط بعيداً عن جوهر الصلاة ، وسائر العبادات ، فهم من جهة في صلاتهم خاشعون مراعون لجوهرها ، وهم من جهة أخرى على صلواتهم يحافظون ، ويراعون حدودها وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ .
وراثة الفردوس
[ 10 - 11 ] لماذا يؤمن الإنسان ؟ لأنه يعرف أن إيمانه سينتهي به إلى جنة عرضها كعرض السماوات والأرض ، ولهذا يأتي الحديث بعد هذه الصفات عن الجنة .
أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ ولهذه الآية معنيان :
الأول : ما جاء في الأحاديث من أن لكل إنسان بيتين . أحدهما في الجنة ، والآخر في النار ، فمن أصبح من أهل النار ورث المتقون بيته في الجنة ، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله :
[ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا لَهُ مَنْزِلَانِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِنْ مَاتَ وَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ ]
« 1 » .
الثاني : إنهم يرثون الفردوس وهي أعلى مراتب الجنة من دون عمل يذكر ، إلا انتسابه للجنة ، كالذي يرث مال أبيه لا بعمله وكده ، بل لانتسابه إليه .
والله سبحانه وتعالى يريد من الإنسان أن يتصل بسبب إلى الجنة ، حتى إذا مات ورثها الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 8 ص 91 .