إلينا حينما تجلى في آيات الكون بما فيها الإنسان نفسه تارة ، وفي آيات القرآن تارة أخرى ، بما في تلك الآيات ، وهذه من إثارة للعقول نحو أهم المعارف وأجلها ، وهي معرفة الله .
إن التفكير في أطوار خلق الإنسان من طينة ، إلى نطفة ، إلى علقة ، فمضغة ، حتى يصير بشراً سوياً . بعد أن ينفخ الله فيه الروح ، ويزوده بالعقل والإرادة ، وسائر الجوارح وهو يسير إلى الموت ، وإن نظرة عميقة إلى الكون وما فيه من آيات الله تهدينا إلى معرفة الله وهي - بدورها - تهدي إلى وعي حقيقة الحياة ، أما حين نفصل معرفة الله عن معرفة الأشياء فإنها تظل ألغازا حائرة .
فإذا نظرنا إلى حاجة الجسم إلى قدر من المواد ، ثم وجدناها جاهزة في دهن الزيتون ، أولًا يهدينا ذلك إلى أن هناك مدبراً لهذا الكون .
إلا أن جهل البشر وتكبره ورجعيته تحجبه عن معرفة الخالق ، كمثل قوم نوح إذ دعاهم رسولهم إلى عبادة الله وحده ، فحجبهم عن عبادته ومعرفته ، التكبر . حيث قالوا : مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً - كما حجبهم التقليد فقالوا : - مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ - ثم اتهموه فقالوا : - ( 24 ) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ [ المؤمنون : 24 - 25 ] ، ولكنه توكل على ربه ، وطلب منه النصر على تكذيبهم إياه .
بينات من الآيات :
[ 12 ] إذا عرف الإنسان ربه حينئذ يكون اتصاله به أسمى من ذلك الذي يؤمن خوفاً من النار أو رغبة في الجنة ، فالإيمان الحق إنما هو الذي يكون منطلقه المعرفة والقناعة كإيمان الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام والذي كان يقول عنه :
[ مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَلَا طَمَعاً فِي جَنَّتِكَ لَكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُك ]
« 1 » .
والسبيل إلى المعرفة بالله هو :
- 1 التفكر في النفس
ومن هذا المنطلق يعرف الله الإنسان حقيقته :
[ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ ]
« 2 » .
فيقول : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ فالإنسان ينسل من طين الأرض
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 67 ص 186 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 2 ص 32 .