ولو عمل المسلمون بهذه الآية الكريمة لأغنتهم عما في أيدي أعدائهم ، وهيأت لهم استقلالا اقتصاديا ، وثقافيا ، وسياسيا ، كيف ؟ .
لقد أودع الله في الإنسان معادن لا تنفد ولا تحد ، وسخر له الطبيعة بما أعطاه من علم وإرادة وقوة . ومن أعظم المواهب التي أتاها الرب للخلق الطموح ، فكل واحد يتطلع إلى العظمة ، ويحب الكمال وهذا التطلع هو جناح المرء في تحليقه في فضاء التقدم . إلا أن الشيطان يغويه ، ويوجه طموحه في الاتجاه الخاطئ ، إنه يلوي مقود سيارته عن الشارع المعبد الذي يمهده الجهد الصادق باتجاه الصخور الوعرة ، ويهمس في أذنه هذا هو طريق المجد ، الكذب ، الغش ، السرقة ، وانتهاب ثروات الآخرين ، واستغلالهم ، أو استجداء العون منهم ، وهكذا يخدعه مرتين حين يسلب عنه عزيمته ، وحين يخيل إليه أن الآخرين ينفعونه .
أما المؤمن فإنه يعلم أن قوة ساعده ، ونفاذ بصيرته ، ومضاء عزمه كل أولئك كفيل بتقدمه ، وإن رزقه موجود في الطبيعة ، في الأرض التي يزرعها ، في المعادن التي يستخرجها ويسخرها ، وبالتالي في التعامل الشريف مع الناس .
وهكذا يبني بناءه على الصدق ، فإن دخل في عمل ، في مشروع ، في حركة ، في شركة ، دخل بنية صادقة لم يدخل ليستغل جهد الآخرين ، ولا ليستريح من بذل الجهد ، ثم لا يخرج إلا بصدق فيكمل مسيرته حتى النهاية ، ويتم عمله بأحسن وجه دون أن يخدعه الشيطان ، فيدفعه لترك العمل . متى ما رأى فيه صعوبة .
ولعل صدق العمل في المدخل والمخرج هو التحدي المناسب لخطة إبليس في مشاركة الأموال والأولاد ، حيث قال الله سبحانه في آية مضت بينت مكر إبليس في تضليل البشر قال : ( وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ) [ الإسراء : 64 ] .
إذ أن صدق المؤمن لا يدع مجالا لمشاركة إبليس الذي يهدف إفساد الاقتصاد والتربية ، وكيف يفسد اقتصاد قوم لا يأكلون الحرام ، ولا يسرقون جهد بعضهم ، ولا يتعاملون بغش ، أو تطفيف ، أو تغرير ، أو كذب ! .
ونستوحي من تواصل بداية الآية وخاتمتها أن الصدق في الدخول والخروج وسيلة لنزول نصر الله ، وبلوغ القوة ( السلطان ) والعزة ( النصر ) .
والصدق في البداية هو خلوص العمل ، بينما الدعاء في الخاتمة هو التوكل وهما العمل الصادق والتوكل على الله يتكاملان فلا توكل من دون عمل ، ولا ينفع العمل من دون التوكل .
من هدى القرآن — صفحة 472
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٧٢