أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ جُدَدٌ ، وَآخَرِينَ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ خُلْقَانٌ ، فَدَخَلَ أَصْحَابُ الْجُدَدِ وَحُبِسَ أَصْحَابُ الْخُلْقَانِ « 1 » ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَانْقَادَ لِي نَهَرَانِ ، نَهَرٌ يُسَمَّى الْكَوْثَرَ ، وَنَهَرٌ يُسَمَّى الرَّحْمَةَ فَشَرِبْتُ مِنَ الْكَوْثَرِ وَاغْتَسَلْتُ مِنَ الرَّحْمَةِ « 2 » ، ثُمَّ انْقَادَا لِي جَمِيعاً حَتَّى دَخَلْتُ الْجَنَّةَ وَإِذَا عَلَى حَافَتَيْهَا بُيُوتِي وَبُيُوتُ أَهْلِي ، وَإِذَا تُرَابُهَا كَالْمِسْكِ ، وَإِذَا جَارِيَةٌ تَنْغَمِسُ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَقُلْتُ : لِمَنْ أَنْتِ يَا جَارِيَةُ ؟ فَقَالَتْ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ « 3 » ، فَبَشَّرْتُهُ بِهَا حِينَ أَصْبَحْتُ ، وَإِذَا بِطَيْرِهَا كَالْبُخْتِ وَإِذَا رُمَّانُهَا مِثْلُ دُلِيِّ الْعِظَامِ ، وَإِذَا شَجَرَةٌ لَوْ أُرْسِلَ طَائِرٌ فِي أَصْلِهَا مَا دَارَهَا سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلٌ إِلَّا وَفِيهَا قُتُرٌ مِنْهَا فَقُلْتُ مَا هَذِهِ يَا جَبْرَئِيلُ فَقَالَ هَذِهِ شَجَرَةُ طُوبَى قَالَ اللهُ :
( طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) [ الرعد : 29 ] .
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله :
فَلَمَّا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ رَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي فَسَأَلْتُ جَبْرَئِيلَ عَنْ تِلْكَ الْبِحَارِ وَهَوْلِهَا وَأَعَاجِيبِهَا ، فَقَالَ : هِيَ سُرَادِقَاتُ الْحُجُبِ الَّتِي احْتَجَبَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا وَلَوْ لَا تِلْكَ الْحُجُبُ لَتَهَتَّكَ نُورُ الْعَرْشِ وَكُلُّ شَيْءٍ فِيهِ . وَانْتَهَيْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَإِذَا الْوَرَقَةُ مِنْهَا تَظَلُّ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ فَكُنْتُ مِنْهَا كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى :
( قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) [ النجم : 9 ] .
فَنَادَانِي الله سبحانه وتعالى :
( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) [ البقرة : 286 ] .
فَقُلْتُ : أَنَا مُجِيباً عَنِّي وَعَنْ أُمَّتِي :
( وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ )
فَقَالَ اللهُ :
( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ )
فَقُلْتُ :
( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا )
فَقَالَ اللهُ : لَا أُؤَاخِذُكَ ، فَقُلْتُ :
( رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا )
فَقَالَ اللهُ : لَا أَحْمِلُكَ ، فَقُلْتُ :
( رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) [ البقرة : 286 ] .
فَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : قَدْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ .
فَقَالَ الصَّادِقُ عليه السلام :
( مَا وَفَدَ إِلَى الله تَعَالَى أَحَدٌ أَكْرَمُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله حَيْثُ سَأَلَ لِأُمَّتِهِ هَذِهِ الْخِصَالَ )
« 4 » .
هامش
( 1 ) والقرآن الحكيم يقول في سورة البقرة ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) فلباس التقوى خير لباس ، وزاد التقوى خير زاد ، وكلما كنت تقيًّا كان ثوبك في يوم القيامة أجد وآنئذ يمكنك أن تدخل مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى البيت المعمور فتصل فيه .
( 2 ) يعني استوعب رسول الله صلى الله عليه وآله الخير الكثير ولفته الرحمة .
( 3 ) الذي تبناه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو والد أسامة وقد استشهد في معركة مؤتة ، التي استشهد فيها عبد الله بن رواحة وجعفر الطيار .
( 4 ) وتلك هي الآيات الأخيرة من سورة البقرة ، وقد جاء ذلك في مضمون حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال » : رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعٌ : الْخَطَاءُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَمَا لَا يَعْلَمُونَ « . . . بحارالأنوار : ج 74 ، ص 155 .