الناس في المجتمع والدرجات العليا أو الدنيا التي يتفاضلون عبرها ، إنها نفوذ إلى أصول تكوينية صعبة التغيير ، أو مستحيلة التغيير ، فلقد فضل الله بعض الناس على بعض في الذكاء ، أو في النشاط ، أو الصحة ، وتهيئة فرص التقدم ، فهل يقدر هؤلاء على تحويل صفاتهم إلى أولئك ؟ كلا . . ( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ) وهو النعمة التي يهبها الله للإنسان بسعيه ، وطيب نفسه ، أو امتحانه وابتلاء الناس به مثل : العلم ، والعافية ، والأمن .
( فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ) فلا يقدر الذين فضلهم الله أن يعطوا رزقهم الإلهي لمن هم دونهم ، ولمن هم محكومون لهم .
والتعبير القرآني : ( مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) يوحي بالرقية التي كانت شائعة في أيام نزول القرآن - ويبدو لي - أنه يشمل أيضا كل المراتب الاجتماعية التي يقتضيها التفاضل بين الناس في الكفاءات الطبيعية ، ذلك لأن الكفاءة تقتضي - بالطبع - هيمنة صاحبها على من هو دونه فيها ، فالعلم والقوة يعلوان الجهل والضعف ، وصاحبهما يملك ولو بنسبة معينة من لا علم ولا قوة له .
ولا أحد ينكر اختلاف الناس من الكفاءة الطبيعية ، وأن هذه الكفاءة لا تقبل التحول من صاحبها إلى من هو دونه ، حتى يصبحوا جميعا سواء فيها .
إن نظام الكون قائم على التفاعل بين أجزائه ، وقد أمرت سنة الله في الناس أن يتعاون بعضهم مع بعض مثلما تتفاعل أجزاء الكون ، ولكي يتعاونوا احتاج بعضهم إلى البعض الآخر ، واختلفت كفاءاتهم ، ولو تساوت كفاءاتهم واستغنى الناس عن بعضهم ، إذن لبقوا كالحيوانات يعيشون أفرادا ، ولم يتقدموا ولا خطوة واحدة في طريق الحضارة .
( أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) إن نعمة التفاضل التي تنتهي إلى التعاون والتقدم نعمة كبيرة ، لابد من شكرها عن طريق رضا الناس بها وقبولها كواقع ، ثم انطلاق كل واحد من موقعه في سبل الخير والفضيلة .
نعمة الأزواج
[ 72 ] وإلى جانب نعمة التفاضل الطبيعي ، ونعمة الحاجة المتبادلة ، وبالتالي نعمة التعاون الذي فرض على البشر فرضا ، نجد نوعا آخر من الحاجة المتبادلة والتي تؤدي إلى التعاون وهي الحاجة إلى الزوج ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ) فلو لا الحاجة النفسية والجسدية والاجتماعية القائمة بين الزوج والزوجة لما تم هذا