تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
إلى شراب سائغ . ( ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ) أي الطرق المعبدة التي هيأها الله لك ، فقد جعل الله للهواء سبلا كما للأرض ، وهي الأيسر سلوكا والأقل مطبات هوائية ، ويتعرف عليها الطيارون بصعوبة ، بينما أوحى الله بها إلى النحل وغيره مما يطير بجناحيه . ( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ) والعسل يلقيه النحل من فيه ، بعد أن يتفاعل في بطنه ، ولذلك عبر ربنا عن ذلك بأنه يخرج من بطون النحل ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) من أمراض مختلفة ، ويعطي الجسم حيوية ومناعة عن الأمراض ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) . إن النحل هذا الحيوان المستهان في الدنيا ، يأمره الله بأن يحقق هذا الهدف ، وعلمه وسائل ذلك وكيف يبني بيته ؟ وكيف يتخذ لنفسه يعسوبا ، وكيف يتوالد ؟ كل هذه السنن الإلهية تستقطب اهتمامنا ، وتجعلنا نعترف خاشعين بأن للكون المهيب إلها يدبر شؤونه سبحانه ، ويبدو أن معرفة أسرار النحل بحاجة إلى بحث مثابر ، ولذلك عقب الله الآية بأن النحل آية للمتفكرين ، بينما لا تحتاج آية الثمرات إلى ذلك الجهد الفكري ، بل إلى حفظ التجارب الزراعية ، لذلك بين السياق هناك أن الثمرات آية لمن يعقلون ، واكتفى في مراقبة الأمطار بالسماع فقال : ( لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) ، وهكذا تختلف أسرار الحياة فبعضها تفهم بأقل دراسة ، بينما بعضها الآخر تفهم بدارسة معمقة ، وتبقى بعضها متوسطة .

دليل التدبير

[ 70 ] وتطورات الحياة البشرية تهدينا إلى تلك الإرادة التي توجه حياتنا ، لقد خلقنا الله وحين يشاء يسترد أمانته منا فيميتنا ، وقد يشاء أن يعمر الفرد طويلا حتى يبلغ سن الكهولة ، فإذا به يفقد ما حصل عليه أيام شبابه من علم وخبرة . ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) أي العمر الأكثر هبوطا ، كما كان في أيام الصبا والطفولة ( لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) فأصل علم الإنسان هبه إلهية . ويزداد بالسمع والاعتبار والتعقل والتفكر ، بينما علم الله واسع دائم .

حدود الحرية البشرية

[ 71 ] والإنسان حر في الحياة ، ولكن حريته محدودة ، مما يهدينا إلى أن يد الغيب تدبر حياته ، وأن الحرية المحدودة التي يملكها إنما هي لإختباره وليست من ذاته ، لذلك ترى مواقع
من هدى القرآن — صفحة 349 | السيد محمد تقي المدرسي