الظاهرة .
وحين جاء الرسل بالإنذار استعجل الكفار ما انذروا به ، واتخذوا من التأخير دليلا على عدم وجود الجزاء ، وجاءت الآية تنذرهم باقتراب ساعة الجزاء ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) .
والواقع أن شركهم بالله ، وزعمهم إن هناك آلهة تمنعهم من دون الله ، هو الذي جعلهم يطمئنون ولا يأخذون الإنذار بجدية كافية ، ونفى ربنا ما أشركوا به .
( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) فهو منزه وهو أسمى من أن تساويه بشريك ، وهو خالق كل شيء .
روح رسالات اللَّه
[ 2 ] ( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ) والله ينزل الملائكة ملكاً بعد ملك ، مؤيدون بالروح ، والروح - حسبما يظهر من النظر في مختلف الآيات التي تحدثنا عنه - هو : ذلك الملك العظيم الذي يؤيد الله به رسله ، والذي يأتي إلى الأرض في ليلة القدر مع الملائكة ، وهناك قول آخر يقول : ( إن الروح كلمة الحياة التي يلقيها الله سبحانه إلى الأشياء فيحييها بمشيئته ولذلك سماه وحياً وعدَّ إلقاءه وإنزاله على نبيه إيحاء في قوله : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا ) [ الشورى : 52 ] . فإن الوحي هو الكلام الخفي والتفهيم بطريق الإشارة والإيماء ، فيكون إلقاء كلمته تعالى - كلمة الحياة - إلى قلب النبي صلى الله عليه وآله وحيا للروح إليه ) « 1 » .
وإذا كان الروح ملكا ، فإن الباء هنا تدل على الاستعانة ، أي مستعينا بالروح ومؤيدا ، أما إذا كان الروح جوهر الرسالة المركب من نور العلم والهدى ، وهو الذي يحي البشر كما قال سبحانه : ( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) [ الأنفال : 24 ] فإن الروح يكون النور الذي جاء به الملائكة إلى الأرض ، وهذا المعنى قريب أيضا من قوله سبحانه : ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) [ غافر : 15 ] .
( مِنْ أَمْرِهِ ) والملائكة تصدر انطلاقا من أمر الله ، فلا تعمل حسب أهوائها ، لذلك فهم يهبطون إلى عباد الله المصطفين ( عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) ؛ فالرسل عباد الله وليسوا أنصاف آلهة ، أما محتوى الرسالة وجوهرها فهو التالي : ( أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ) إخلاص العبادة لله في كل الشؤون ، والذي يتجسد في التقوى ، هو جوهر الرسالات الإلهية .
هامش
( 1 ) تفسير الميزان : ج 12 ص 206 .