( فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ) .
النصب : التعب ، وربما ارتبط التعب بالخوف من المستقبل في الآية ، بسبب أن أكثر تعب الناس في الدنيا إنما هو للحرص على الدنيا ، والخوف من المستقبل .
[ 49 ] كم يبعث السكينة في النفس البشرية التي تعيش القلق على المستقبل المجهول ، والخوف من آثار الأخطاء والذنوب حين يطمأنه رب العالمين بأنه هو الغفور الرحيم ، بكلمات ملؤها الحنان فيقول : ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) .
لقد أعلن الرب رسميا لمن وصفهم بأنهم عباده قد خلقهم رحمة بهم لأنه هو الغفور ، يمحي آثار الذنوب الماضية ، الرحيم يزيد من يتوب من رحمته .
[ 50 ] ولكنه في ذات الوقت ينبغي أن يكون مرهوب الجانب ( وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ ) .
ضيف إبراهيم عليه السلام
[ 51 ] وكشاهد على ذلك ، قصة ضيف إبراهيم عليه السلام ، حيث جاءت الملائكة إبراهيم بالبشرى بينما حملت إلى قوم لوط العذاب الأليم ( وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ) .
[ 52 ] ( إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ) ربما لأنهم جاؤوا في وقت غير مناسب ، أو لأنهم لم يأكلوا من طعامه ، وكانت العادة تقضي بأن من يأكل طعاما في بيت لا يلحق بأهله أذى احتراماً للزاد والملح ، فإذا لم يأكل يعتقد إنه ينوي شرا .
[ 53 ] قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ) فلقد جئناك مبشرين لا منذرين ، ونحن ملائكة ربك ، والملائكة كما نعرف تتمثل في صورة بشر سوي كما تمثل لمريم .
[ 54 ] وكان إبراهيم عليه السلام ينتظر بفارغ الصبر هذا الحدث السعيد ، وقد أشرف على اليأس بسبب طول الانتظار ، وها هو الرب يبشره ليس بالغلام فقط وإنما أيضا بأنه صاحب فضل وعلم ، وبالتالي هو الولي الذي ينتظره منذ وقت ليكون وارث علمه وهداه ، ولأن إبراهيم فوجئ بالأمر فقد كان رد فعله الأولي التعجب والاستغراب ( قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ ) فأنا قد احتواني عمري الطويل ، وقد شارفت على مرحلة الشيخوخة التي لا تقل عن المرض الذي يمس صاحبه . فكيف تبشروني ؟ ! .