تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
( الْمَعْلُومِ ) قال البلخي : ( فأبهم ولم يبين لأن في بيانه إغراء بالمعصية ) « 1 » . [ 39 ] أخذ يهدد إبليس بني آدم الذي كان سبب اختباره وبالتالي لعنته . ( قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي ) لم يضل الله إبليس إلا بعد أن اختار بكامل وعيه وبسابق قصده عصيان أمر الرب ويكفي في معنى السبب الذي توحيه كلمة ( باء ) ، هذا القدر من العلاقة ، وخلاصة معناه : رب كما أنك اختبرتني ففشلت ، فإني سوف أهيء لهم وسائل الاختبار فيفشلون ، وهكذا أنتقم منهم . وكان الله يريد أن يختبر عباده وهذا إبليس رشح نفسه لهذه المهمة ، كما أن الله يريد أن يعذب القوم الظالمين فيرشح من هو أظلم منهم نفسه للانتقام فيتركه الله - بينه وبينهم - فيصدق الحديث القدسي : ( الظَّالِمُ سَيْفِي أَنْتَقِمُ بِهِ وَأَنْتَقِمُ مِنْهُ ) « 2 » . أما كيف وبأية وسيلة أراد إبليس إغواء البشر ؟ فلقد كشفها لنا قائلا : ( لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) أي سوف أجعل الأرض جميلة في أفئدتهم حتى تستهويهم . [ 40 ] إغواء إبليس كاغواء الله لإبليس . مجرد اختبار وليس إجبار ، ويشهد عليه أن عباد الله المخلصين يتمردون عليه ( إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ ) . [ 41 ] وصراط الله مستقيم وهو إلى الله ، وعلى الله المحافظة عليه مستقيما ، وألا يدع التشويه والانحراف يصيبه كما قال سبحانه في الآية العاشرة من هذه السورة : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) . ( قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ) فمهما كان لإبليس من قوة الإغراء ومن جمال التزيين ، فإن الله لن يدع له المجال لتحويل الحق إلى الباطل ، وبطمس معالم الدين كليا . [ 42 ] وإنه لن يدعه يجبر الإنسان على اتباعه ، نعم من تبعه يضله الله ، ولا يعينه على الشيطان الغوي ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ ) وهم اختاروا سلطة إبليس اختيارا ولم يجبرهم عليها الله ، فحرام تبرير البعض خطأهم وانحرافهم بأنهم كانوا مجبورين . [ 43 ] أما الغاوون فإن الله أجل عذابهم الجماعي إلى جهنم ( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ) [ 44 ] حيث تختلف أبواب الضلالة ولكنها بالتالي تنتهي إلى ذات المصير الواحد ( لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 6 ص 436 ( 2 ) كلمة الله : ص 180 .