( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) تزعم الجاهلية الحديثة التي اخترقت الفضاء ، وغارت في أعماق المحيطات ، وفلقت الذرة ، ودكت الجبال تزعم أنها تستطيع الفرار من عقوبة ظلمها للمحرومين والمستضعفين ، ولكن هيهات ، إن الذي زود البشر اليوم بهذه الطاقات قادر أن يسلبها منهم متى يشاء .
إن كل جيل من الظالمين كان يحسب أنه قد بلغ القمة في تسخير الطبيعة ، ولكن بعد حلول أجله أحاط به مكره ، وهلك في الأكثر بذات القوة التي زعم أنها تحميه ، فأغرق الله فرعون ، وابتلعت الأرض قارون وكنوزه ، ودكت حصون عاد ذات الصخور التي اعتمدت عليها .
[ 47 ] كما أنه قد يزعم الظالمون إن الله يتجاوز عن ظلمهم ، بسبب أو بآخر ، ولكن هيهات . . وقد وعد ربك رسله بان يأخذ أعداءهم بعزته ، وإذا كانت صفة الرحمة والغفران أبرز أسماء الله ، فان اسم العزيز المنتقم من أسمائه الحسنى أيضا ، وأنه سوف ينفذ هذا الاسم عليهم بسبب وعده للرسل ، فلا يغرقوا في الرجاء الساذج ، ويتوغلوا في ظلم العباد ( فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ) .
[ 48 ] ويبقى سؤال : إذا لماذا لا ينتقم الرب من الظالمين على كثرة ظلمهم ؟ أجل أنه أخَّر انتقامه ليوم القيامة ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ ) فلأن البحار تتبخر ، ولأن الجبال تتدكدك ، ولأن الأرض تصبح قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، فإن الأرض تبدو وكأنها غير تلك التي نعرفها ، كما أنه يتغير لون السماوات ، وتجتمع أجرامها إلى بعضها ، حيث تجمع الشمس والقمر ، وتتناثر نجومها ، وتكون السماوات غير هذه التي نراها ، وهنالك يظهر الظالمون أمام محكمة الله ( وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) هنالك يتجلى اسم العزيز ذي الانتقام ، فهل من مهرب ؟ .
[ 49 ] أما المجرمون فيؤتى بهم على رؤوس الأشهاد وقد صفدوا بالأغلال الموضوعة على أيديهم ، حيث يسلكون في سلسلة طولها سبعون ذراعا ( وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ) بعضهم ملتصق بالبعض مغلولين - والعياذ بالله - .
[ 50 ] وقد ألبسوا من مادة القطران سرابيل ، حيث تحيط بهم مادة لزجة سوداء نتنة تشبه القار - يطلى بها الإبل - فتصبح كالثوب للقسم الأسفل من أجسادهم ، بينما القسم الأعلى منها ، تحيط به النار فتصبح كالحجاب .
( سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ ) دعنا نتصورهم في مادة سائلة
من هدى القرآن — صفحة 258
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥٨