تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١

اليأس من الإصلاح

( أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ) منع الله الآيات عنهم ليس سببا لضلالتهم ، بل لأن الله لم يهدهم ، فإن الله لا يهدي إلا من ينيب . واليأس هنا له معاني ، فمن معانيه العلم ، أي ( أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ) ، وهي : ( لغة هوازن ) « 1 » ، وقال بعضهم : ( إن اليأس معناه القنوط ) « 2 » وشُرِّبَ معنى العلم فيكون المعنى : ( أفلم يعلم الذين آمنوا ان الله لم يشأ هدايتهم ولو يشاء لهدى الناس جميعا ) ، وقال بعضهم : ( إن هناك باء محذوفة في ( أن ) و ( اليأس ) على معناه المعروف ، فيكون تقدير الكلام : ( أفلم ييأس الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ) . وفي الحقيقة فإن هناك جامعا مشتركا لهذه الحقائق الثلاث ، فمن جهة يجب أن ييأسوا من اهتداء هؤلاء ، ويعلموا بأن هؤلاء لن يهتدوا ، وبالتالي يجب أن يعلموا بأن الله لو يشاء لهدى الناس جميعا ، فالمعنى واحد . ( وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ ) قوله تعالى : ( وَلا يَزَالُ ) تفيد الاستمرارية ، وربما تعبر هذه الكلمة عن أمرين : أولًا : تضمين معنى السنة الدائمة . ثانياً : إن الإنسان هو الذي يصنع مصيره بنفسه ، فالعذاب هو نتيجة ما اقترفت اليدان من الذنوب ، والقارعة هي الكارثة . فهذه الكوارث الإلهية تصب ولا تزال تصب على رؤوس الكافرين ( أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ ) . فمكة مثلًا لم تكن تصاب بالحروب أو بالزلازل ، بل تنزل هذه المصائب فيما حولها ، ولكن لم يتعظ الكافرون . ( حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ) هذه القوارع ما هي إلا إرهاصات يصبها الله عاجلا على الكافرين ، أما القارعة الحقيقية فهي في الآخرة : ( الْقَارِعَةُ ( 1 ) مَا الْقَارِعَةُ ( 2 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ( 3 ) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ( 4 ) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ) [ القارعة : 1 - 5 ] .
هامش
( 1 ) تفسير الثعالبي : ج 3 ص 370 ، التبيان : ج 6 ص 254 . ( 2 ) التبيان : ج 6 ص 254 .