حقيقة الرسالة ، وأن الرسول مهما تحمل من الجهد فهو مجرد تال لما نزل عليه ، أي أن الرسول ليس صانعا للوحي ، وإنما يؤدي دور المرآة إذ يعكس الرسالة إلى أمته .
( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ) جذر كفرهم إنما هو بالرحمن وليس بك ، وقد جاء في الدر المنثور عن ابن جريح في قوله : ( ( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ) قال : لما كاتب الرسول صلى الله عليه وآله قريشا في الحديبية كتب : ( بسم الله الرحمن الرحيم . . ، قالوا : لا نكتب الرحمن ، وما ندري ما الرحمن ؟ ! وما نكتب الا باسمك اللهم ! ، فأنزل الله ( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ) « 1 » .
( قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) هذا هو الرحمن الذي يكفرون به ، لا إله غيره ، رب الأرباب ، لا ند له ولا نظير ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) في دعوتي إليكم مع تكذيبكم بي . ( وَإِلَيْهِ مَتَابِ ) إليه بخوعي وإنابتي .
حقيقة القرآن
[ 31 ] ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ) لما واجههم الرسول بعد طلبهم الآيات بالقرآن ، وأكد على أنه المعجزة الكبرى تعللوا بأن هذا القرآن المعجزة لو سيرت به الجبال من حولنا ( حول مكة ) حتى نستطيع أن نزرع ، أو قطعت به الأرض كما كان سليمان يرسل الرياح فيقطع بها الأرض ، أو كلم به الموتى ، كما كان موسى وعيسى لكانوا يؤمنون به ، ولكن لو أنزل الله مثل هذه الآيات ، أكانوا يؤمنون بها ؟ ! ولكن قصدهم التعجيز وتحدي الرسالة ، فلن يرسل الله مثل هذه الآيات ، وهذا القرآن له القدرة على هذه الأشياء لو عرف الإنسان كيف يستغله ، وقد قال الله سبحانه : ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) ( الحشر : 21 ) .
( بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً ) إن الله يستطيع أن ينزل هذا القرآن ، وقد أنزله فعلا .
جواب ( وَلَوْ ) في الآية ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ ) محذوف وتقديره أحد هذين المعنيين :
أولًا : لما أفادهم .
ثانياً : لكان هذا القرآن .
وحسب نظري إن كلا الجوابين صحيحان ، فلو كان القرآن كذلك لم ينفعهم كون القرآن تسير به الجبال وتقطع به الأرض ويكلم به الموتى ، وثانيا : إن القرآن كذلك ، وقد استطاع ( كما أسلفنا ) المؤمنون حقا الذين استوعبوا حقائق القرآن أن يستفيدوا منه هذه الفوائد .
هامش
( 1 ) الدر المنثور : ج 4 ص 62 .