مديدة نبذ هؤلاء أخاهم يوسف منكرين له ، فقطعوا رحمهم ، بينما هو وصل رحمه ، وكانت عاقبة الأمر هو أن يجازيه الله بالملك والمعرفة ويجازيهم بالحاجة والجهل .
[ 59 ] وبعد أن أعد لهم ما جاؤوا من أجله من طعام ، استدرجهم يوسف بحديثه حتى اعترفوا له أن لهم أخا من أبيهم ، ومن زوجة ثانية لأبيهم لا يصاحبهم ، فطلب منهم أن يأتوا به ، وقال : إني لا أريد ظلمه أو ظلمكم ، ولكني أريد الخير لكم . أفلا ترون أني أوفي الكيل وأحسن الضيافة ؟ ! .
( وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ) ويبدو من هذه الآية إن يوسف أعطى لأخوته مقدارا من الطعام ومنع عنهم مقدارا .
[ 60 ] وبعد أن رغبهم في عطائه الجزيل . هددهم أنه لو لم يأتوا بأخيهم فإنه سوف يمنع عنهم الكيل ( فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ ) أي في المستقبل .
[ 61 ] إخوة يوسف الذين أذهلتهم المفاجأة وعدوه بتنفيذ أمره ، ومحاولة إقناع والده بالإذن له بالمجيء ( قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ) .
[ 62 ] ولكن يوسف لم يرض بأن يأخذ منهم أموالهم التي جاؤوا بها لأخذ الميرة ، بل أمر غلمانه بأن يجعلوا بضاعتهم في أمتعتهم لكي يعرفوا أنها لهم ، ولكي يكون لديهم دافع للمجيء إلى مصر مرة أخرى ( وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) إذا عرفوا بضاعتهم عرفوا أن الملك رحيم بهم ، فلا يخشون ظلمه فيعودون إليه .
[ 63 ] وقطعوا تلك المسافة الطويلة قافلين إلى أبيهم ، فلما تلقاهم أبوهم قالوا له إن ملك مصر منع عنا الكيل فلم يعطنا كل حصتنا من الطعام ، وطالبنا بإحضار أخينا من أبينا ، فأرسله معنا لكي نأخذ نصيبنا وإنا سوف نحفظه ( فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )
[ 64 ] وأعاد يعقوب عليهم قصتهم مع يوسف ، وكيف فرطوا فيه ( قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ ) فأنتم لا تحفظون عهدكم ، ولكن لا آمنكم عليه ، بل أترك الأمر إلى الله ، وأجعله حافظا له فهو أفضل حافظ ، وخير راحم لعباده ( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) .
من هدى القرآن — صفحة 141
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٤١