( أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ) يبدو أن صاحب يوسف عرف أنه يحب خدمة الناس بينما يكره الطغاة ، لذلك لم يقل : لعلي أرجع إلى الملك بل قال ( إِلَى النَّاسِ ) .
[ 47 ] وعَبَّرَ يوسف رؤيا الملك ، بما اهتز له أركان المجتمع ، فبين لهم : أن أمامهم سبع سنين من الرفاه والوفرة ، ولكن عليهم أن يستعدوا فيها لسبع سنين جدباء ، فكلما حصدوا أكثر من حاجتهم من القمح احتفظوا به وهي في السنابل لمجابهة أيام القحط التي تنتهي بسنة صعبة يتوافد عليهم الناس من كل مكان طلبا للقمح .
( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً ) أي تجتهدون سبع سنين في الزراعة ، ويبدو أن الشعب المصري كان في عز حضارته في تلك السنين .
( فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ) أي اعملوا كثيرا ، وكلوا قليلا ، وحافظوا على ثرواتكم للمستقبل ، وهكذا نصح يوسف قوم مصر بأفضل الحِكَم الحضارية .
[ 48 ] ( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ ) أي تأتي سبع سنين شديدة جدباء تأكلون فيها ما جمعتم في سنين الرخاء ( مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ) .
وعبر يوسف عليه السلام بالسنين وكأنها حيوانات تأكل خيرات السنين الماضيات للإشارة إلى الرؤيا ، وأن السنة تشبه البقرة التي رآها ملك مصر في نومه .
( إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ) فهو الوحيد الباقي لكم .
الحصن هو : الحرز ، ويبدو أن يوسف أشار عليهم بضرورة المحافظة على انتاجهم في سنين الرخاء بصورة جيدة .
[ 49 ] أما السنة الأخيرة فهي - حسب بعض التفاسير - سنة خصب ورخاء حيث يهطل الغيث وينزل الرب من المعصرات ماءً ثجاجا ؛ فقال سبحانه : ( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ ) بهطول الأمطار .
( وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) وفسرت هذه الكلمة بأنهم كانوا يعصرون عادة الدهن لأيام شتائهم وجاء في حديث شريف تفسير العصر بالغيث الهاطل وهذا هو المشهور في تفسير هذه الآية .
وقد ذكرنا « 1 » تفسيراً آخر تحتمله الآية : أنهم في تلك السنة عاشوا شدة بحاجة إلى الإغاثة
هامش
( 1 ) في الطبعة الأولى من التفسير .