تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
أما المتكأ : فهو الوسادة وهي كناية عن المائدة أو لا أقل المجلس الطويل الذي يستراح إليه ، وتدل الآية على وجود شيء يؤكل ويهيّأ قبل الأكل بالسكين ( وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ) وهكذا خرج يوسف على النسوة في وقت إنشغالهن عنه بالطعام . ( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ) أي عظمن يوسف أيما تعظيم ، بجلاله وجماله ( وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) فأخذن يجرحن أيديهن بسبب الانشغال بجمال يوسف ( وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً ) أي أن يوسف منزه عما ينسب إليه ، فلقد تحاشى يوسف الصديق الفاحشة وابتعد عنها تقرباً إلى الله وإخلاصاً له ، فكساه نوراً وجلالة ومهابة ؛ حتى قالت النسوة : إنه ليس ببشر ( إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ) . إذن فالتعيير الذي تعرضت له امرأة العزيز بسبب مراودتها لفتاها حتى قالت عنها النسوة إنها في ضلال مبين ، لم يكن في موقعه أبداً . إذ أنه أرفع من مستوى البشر ، فكيف يُحسَبُ فتىً عاملًا في بيت العزيز - كما كانوا يزعمون - . [ 32 ] واستفادت امرأة العزيز من الوضع واجابت عن تعييرهن لها ( قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ) إن هذا هو سبب تعييركن لي ، فهل يُعَيَّر من يعشق مثل هذا الفتى ( وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ) أي أنه طلب العصمة من الله حتى لا يفعل ما يؤمر به ( وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) . وهنا أرادت زليخا ان تأخذ الشرعية من النسوة لفعلها ، ويبدو أن النسوة قد أعطينها تلك الشرعية مما دل على مدى الفساد المنتشر في ذلك المجتمع الجاهلي ، حيث إنه يسمح لامرأة تحب الفجور أن تسجن فتى بريئا لمجرد طهارته واستعصامه بالله عن الفحشاء .

السجن أحب إلي

[ 33 ] ويبدو أن النسوة اختلين بيوسف الواحدة تلو الأخرى بحجة السعي وراء إقناعه بقبول كلام سيدته ، ولكنهن عرضن ليوسف الفجور بهن ، والشاهد هو قول يوسف الذي ضاق بهن ذرعا ، وتوسل بالله أن ينقذه من أيديهن ولو كان بالسجن ( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) . وبعد أن كانت المشكلة واحدة فقط أصبحت الآن متعددة ، حيث أن الفساد الذي كان شائعا في تلك البيئة قد أحاط بشخص يوسف عليه السلام ، ولكن كانت تلك حكمة بالغة لله حيث أن تحدي يوسف عليه السلام وهو فتى اشتري للخدمة ، وطالبته سيدات مصر للفاحشة بما فيهن