تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
الأولى : إن العاقبة للمتقين ، وهذا النوع يتبين لنا في نهاية القصة فقط . الثانية : آيات تكشف نفسية البشر ، وطبيعة القوى المتناقضة في ذاته ، وكيف يعين الله عباده في الأوقات الحرجة ، وما أشبه من العبر التي تستوحى من اللحظات الحساسة في القصة . لذلك علينا أن نلاحظ في تدبرنا لقصة يوسف هذين النوعين من الآيات المفيدة للسائلين .

المؤامرة

[ 8 ] جلس أخوة يوسف يتآمرون وقالوا : إن يوسف وأخاه من أمه أحب إلى قلب أبينا منا ، بينما نحن أكثر عددا منهم ، وينبغي أن نكون نحن الوارثين لأمجاد أبينا ، فأبونا إذا في ضلال مبين ( إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) قال بعض المفسرين ما يلي : ( أي في ذهاب عن طريق الصواب الذي هو التعديل بيننا في المحبة ) ، وقيل معناه : ( إنه في خطأ من الرأي في أمور الأولاد والتدبير الدنيوي ، ونحن أقوم بأمور مواشيه وأمواله وسائر أعماله ، ولم يريدوا به الضلال عن الدين لأنهم لو أرادوا ذلك لكانوا كفارا ، وذلك خلاف الإجماع ) « 1 » . ويبدو أن الضلال المقصود إنما هو الضلال عن الطريق القويم في معاملة أبنائه . [ 9 ] وإذا كان الأب في ضلال فلابد أن يعارضوه ويقاطعوه ، ولكنهم كادوا ليوسف - أخيهم البريء - وتآمروا على أن يقتلوه ، أو ينفوه في أرض بعيدة يموت فيها . والسبب : أن منطلقهم الفكري كان ( العنصرية ) التي أوحت إليهم بأنهم ما داموا عصبة فهم أفضل من غيرهم ، وهذا هو منطق القوة الذي يتكلم به كل الطغاة ، وإذا كان اخوة يوسف يقيمون أنفسهم وفق المقاييس الرسالية لعرفوا بأن صفات يوسف الرسالية أحسن من صفاتهم ، فهو أحق بقرب والدهم منهم لذلك قالوا : ( اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ ) إن إخوة يوسف حاولوا الجمع بين الدين والدنيا ، بين الحق والباطل ، فمن جهة أثارهم حسدهم ونظرتهم العنصرية إلى أنفسهم نحو قتل أخيهم البريء ، ومن جهة ثانية فكروا في أن يصبحوا صالحين في يوم من الأيام . [ 10 ] وأدرك أحدهم حنان الأخوة : ( قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ ) غيابة الجب شبه طاق فوق ماء البئر ، ويقال : إن
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 5 ص 273 .