تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨

بينات من الآيات : موقف الرسول

[ 104 ] من أهم المكاسب الرسالية لبعثة الأنبياء هو انشاء واقع اجتماعي جديد ، يتجاوز دور التبليغ والدعوة ، فإذا كان خط الكفر والضلالة شاكا في دين الله ، فان النبي على يقين من هذا الدين نظريا ، ويعمل ببرامج الدين عمليا ، فيصنع بذلك واقعا اجتماعيا ثقيلا ومتينا ، تمهيدا لتأسيس مجتمع مؤمن إلى جانب المجتمع الكافر ، وخط ايماني نقي إلى جانب خطوط الشرك والشبهة قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي والتردد مبعثه الشهوات والأهواء ، وتهيب الواقع الجديد ، فان الرسول ليس في شك من دينه ، بل إنه على يقين وهو قدوتكم جميعا في هذا الخط ، وعمله الخالص لله يفتح لكم الطريق الذي تجبنون من السلوك فيه فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فأنا أول من تحمل الضغوط ومشاكل الكفر بالشركاء والتمرد على سلطان الالهة وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أي أني شخصيا أنتمي إلى جماعة الإيمان في مواجهة الجاهلية .

مسؤولية الرسول

[ 105 ] وقد أكد القرآن الأمر الأخير ، الذي جاء في نهاية الآية السابقة ، وهو السبق إلى الإيمان والاستقامة عليه ، لأهميته في زرع بذور الإيمان في تلك النفوس الشاكة والمترددة وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أي انفصل عن واقع الجاهلية نظريا بالحنفية ، وعمليا بالتوحيد . [ 106 ] وجاءت الآية الثالثة تؤكد نهاية الآية الثانية وهي رفض الشرك وتعللها بقوله تعالى : وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ أي لا تطلب حاجة من الالهة الصماء أو الالهة البشرية الضعيفة التي تعبد من دون الله ، من دون ان تملك شيئا من قوة النفع والضرر الا بأذن الله فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ الظَّالِمِينَ ان التسليم للآلهة والشركاء ظلم للنفس ، حين يفقد البشر هويته التي هي أغلى جوهرة يملكها ، وهو ظلم للناس بتشجيع الضلالة الفكرية ، والتسلط السياسي ، وهو ظلم للشركاء أنفسهم بتشجيعهم على امتهان حرفة الطغيان ، والزعم بأنهم آلهة من دون الله . [ 107 ] النافع الضار هو الله حقا ، لأنه إذا ابتلى أحدا بضراء لا يكشفها أحد غيره ، وان منح خيرا لم يقدر أحد على سلبه وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ