تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
وانتظار الفرج تحافظ على مستوى النشاط والحيوية في الرساليين ، وفي تلك الأجواء المنغلقة كانت إقامة الصلاة والبشارة ضرورة هامة ، لكي لا يفقد المؤمنون روح النشاط والترابط .

الدعوة على الكافرين

[ 88 ] وبعد الفصل الاجتماعي بين الفئة المؤمنة والأغلبية الكفارة ، حانت المرحلة الثانية حيث دعا موسى ربه بأن يسلب من فرعون وملأه المفسدين ما أعطاهم من الثروة والسلطة . وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قيل بأن الزينة هي : ( الحلي والثياب ) ، وقال البعض إنها : ( الجمال وصحة البدن ) ، واعتقد أن الكلمة زِينَةً شاملة أيضاً لحسن الذكر والهيبة الاجتماعية ، مما يكون جانبا من السلطة ، إذ السلطة تعتمد على عامل مادي هو المال ، وعامل معنوي هو تسليم الناس لها ، واعتبار المشرفين عليها أفضل من غيرهم رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ فالسلطة يجب أن تكون سبباً لسعادة الناس ، وليس طريقاً لضلالة الناس عن سبيل الله ، كما فعل فرعون وملأه فاستحقوا العذاب ، ويبدو لي أن لفظة ( اللام ) في كلمة لِيُضِلُّوا لا تدل على العاقبة ، ولا على الهدف والغاية ، بل بمعنى الاستفهام ، أي هل كان المال والزينة بهدف ضلالة الناس أم بهدف هدايتهم واسعادهم ؟ ! بالطبع الجواب أنه كان بهدف الهداية ، إذ أن فرعون وملأه كفروا بنعمة السلطة وينبغي أن يسلبها الله منهم . رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ أي اجعلها بحيث لا ينتفعون منها ، كما تطمس الديار بالرياح فتمحوا آثارها ، فمثلًا مع انعدام الأرزاق ، وقلة السلع ، وافتقاد الأمن في سبل التجارة لا ينفع المال شيئاً ، ومع انتشار الأوبئة والأمراض السارية ، والجفاف وسوء الطقس لا ينفع المال شيئاً ، ومع انتشار الإرهاب ، وتسلط الظلم ، والغلاء الفاحش لا ينفع المال شيئاً ، وهكذا يفعل الله بمن لا يشكر نعمة المال فيسلب فائدته . وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ أي إنزع اللين والانفتاح من قلوبهم حتى تصبح قلوبهم متحجرة ، ومنغلقة ، والتحجر يسبب فقدان العواطف والأحاسيس ، وبالتالي فقدان الترابط الاجتماعي بين أبناء الفئة الحاكمة ، كما أن الانغلاق يمنع التطوير والتقدم ، ويسبب الجمود على الأفكار السابقة ، وهكذا يزول حكم هؤلاء بسبب الشد على قلوبهم ، لأن السلطة التي عبر عنها القرآن - فيما يبدو لي - بالزينة مستحيلة مع التفتت والجمود . ومن أبرز مظاهر الجمود إن صاحبه لا يؤمن بالحقائق إلّا بعد فوات الأوان فَلا يُؤْمِنُوا