فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ .
[ 76 ] كيف أستكبروا ؟ وهل اعترفوا بالحقيقة وهي أن ظلمهم للناس ، هو سبب استكبارهم وضلالتهم ؟ .
كلا . . بل برروا رفضهم للرسالة بتبريرات باطلة ، مما يمكن أن يتكرر في كل عصر فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ إنهم رفضوا التسليم للحق الذي هو من عند الله خالقهم ، والذي كان واضحاً لا ريب فيه ، ونسبوا الحق إلى السحر ، والناس البسطاء لا يميزون بين السحر والرسالة ، إذ كلاهما خارق لعاداتهم ولا يعرف الناس مغزاهما ، لذلك تلبس الأمر على الناس ، وهكذا أضلوا الناس ، وكذلك يمكن أن يتكرر الأمر مع الناس في كل عصر ، فالطاغوت وملأه حين يخالفون الحق لا يعترفون بالدوافع الحقيقية لمخالفتهم من استكبارهم ، وتمرسهم بالجريمة والظلم ، بل يتهمون الحق ببعض التهم التي تضلل الناس البسطاء وتفتنهم ، وتلبس الحق بالباطل وتشبه الرسالة بالسحر ، والنهضة التغييرية بالفوضى ، والإصلاح بتعكير صفو الأمن ، والمطالبة بالحرية والمساواة بالهرطقة والتمرد على القيم هكذا .
فعلى الناس أن يتسلحوا بالوعي الكافي للتميز بين الأقوال التي ينطق بها أصحاب الرسالة ، أو أنصار الطاغوت ، ولا يرفضوا الرسالة بالتأثر بالشبهات التي تثيرها أجهزة الطغاة ضدها ، وهذا من عبر القصص القرآنية حول الرسل .
الرد الرسالي
[ 77 ] وكما كانت شبهة الطغاة حول الرسالة متناسبة مع بساطة الجماهير ، فإن رد هذه الشبهة من طرف الرسل كان بلغة مفهومة لدى الجماهير الساذجة أيضا ، مما كشف زيف الشبهة لهم قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا فلقد نفى موسى عليه السلام ان يكون كلامه سحراً ، وأوضح أنه حق ، والحق واضح المعالم بعيداً عمن ينطق به ، فإذا جاءكم الحق سواء عن طريقي أو بطريق آخر ، لابد لكم أن تقبلوه وتطيعون ، وربما تشير الآية إلى أن الحق هذا كان مقبولًا عندهم إذا بقي بعيداً عنهم ، فكل الناس حتى الطغاة منهم يتفوهون بالحق ويعتقدون به ، بل يطالبون الآخرين بتحقيقه ، فمن الذي لا ينطق بالعدالة ولا يطالب بالتقدم والتطوير ؟ ! .
ولكن إذا جاءه الحق وعارض مصالحه ، رفضه ونسبه إلى السحر ، بينما الحق نفسه لما كان عند غيره كان مقبولًا ولا يسمى بالسحر ، أوليس هذا الدليل البسيط والمفهوم عند الناس كافياً