لو أنجاهم يصبحون من الشاكرين .
بيد أنه حين يخلصهم الله من ورطتهم تراهم يفسدون في الأرض ، ويرتكبون المعاصي ، بينما تلك المعاصي موجهة ضدهم ، لأنها بالتالي متاع الحياة الدنيا المحدودة ، وبعدها ينتقل البشر إلى ربه ليجازيه .
بينات من الآيات : المكر بعد الرحمة
[ 21 ] الرحمة بعد الضراء ليست كالرحمة من دونها ، فحين تكون مريضاً يستبد بك الألم والخوف ، فتنزل عليك رحمة السلامة والعافية ، وحين تكون فقيرا يضيق بك رحب الدنيا وتلاحقك أعين الناس ازدراءً ، فتهبط عليك رحمة الغنى والعزة ، آنئذ تشعر عمق لذة النعمة ، بذات الحساسية التي شعرت بألم الضراء .
والإنسان الذي تذوق الرحمة وأحس بمس الضراء ، عليه أن يعترف بأن الله هو مدبر الخير والشر ، وأنه ، يملك من ذاته شيئاً ، ولكنه لا يفعل ذلك .
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا يحاولون تفسير الآيات بما يتناسب وغرورهم ، أو يسعون في طمس معالم الحقيقة التي تخالف مصالحهم وأهواءهم ، أو حتى أنهم يتصرفون في نعم الله ، بغير الوجه السليم الذي يضمن استمرارها ، وآنئذ يأخذهم الله بعملهم السيء .
قُلْ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ إن مكر الله هو تقليب الأمور وفق السنن التي يجريها في الحياة ، والتي تقضي بزوال النعم التي لا يشكرها الناس ، ولا يحافظون على عواملها السلوكية والنفسية .
إن ملائكة الله يحصون على الإنسان كل صغيرة وكبيرة حتى لا يقدر على التحايل عليهم ، والأدعاء بأنه قد عمل صالحاً .
ويبدو أن هذه الآية تصدق على الحضارات البشرية التي تبدأ بصعوبات كبيرة حتى تبلغ مرحلة النضج ويعم الرخاء ، ثم يمكر البشر في آيات الله فتنحدر إلى الحضيض ، كما تنطبق على حياة كل واحد من البشر ، تحمل الصعاب حتى بلغ منيته ، ولكنه اغتر بعدئذ بنعم الله عليه فكفر بها ، فأزالها الله عنه .
[ 22 ] وكمثل على هذه الحقيقة يبين ربنا سبحانه قصة راكبي البحر بالسفينة الشراعية التي وقفت في عرض البحر بسبب ركود الهواء ، ثم تهب عليها ريح طيبة فيستبشرون بها ، ولكنهم في ذات الوقت يفرحون بها مما ينسيهم شكر الله .