[ 31 ] تلك كانت في حقل الثقافة ، أما في حقل التشريع والسياسة فإن اليهود والنصارى استسلموا للأحبار والرهبان وقبلوا تشريعاتهم دون أن يخضعوا لله ويعملوا بشرائعه .
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ الحبر : هو العالم الذي يقوم ببيان العلم وهو عالم النصارى واليهود وَرُهْبَانَهُمْ الراهب : هو الذي يخشى الله ، ويلبس مسوح العبادة ، وهو عند اليهود والنصارى المتفرغ للعبادة الزاهد في الدنيا .
أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فتركوا تعاليم الدين ونصوصه الواضحة ، إلى اجتهادات الأحبار والرهبان التي تأثرت بأهوائهم وظروفهم ، كما تركوا عقلهم وفطرتهم ونصوص دينهم إلى الاستشهاد بسيرة المسيح بن مريم عليهما السلام التي كانت مناسبة للظروف الموضوعية السائدة في عصره .
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لقد أمرهم الله في كتابه بتوحيده في العبادة والتشريع ، وان يعتبروه وحده مصدر النور والتشريع ، وان يتصلوا به مباشرة ، وإن أخذ التعاليم من الأحبار والرهبان حتى ولو كانت متناقضة مع إلهام الفطرة والعقل والنصوص الصريحة من الدين يعتبر شركاً مهلكاً يبعد الناس عن حقيقة الدين وجوهره شيئاً فشيئا ، ويجعل الدين دين البشر أي الأحبار والرهبان الخاضعين للجهل والجهالة ، وضغوط الظروف . بينما الاتصال المباشر بمصادر الوحي يمنع هذه المشكلة إذ يصبح المؤمنون جميعاً شاهدين على الرسالة أوصياء عليها ، وأعين لنصوصها ومنتفعين من عقولهم وفطرتهم في فهم تلك النصوص .
سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ الله منزه عما يشرك الناس به ، فوحيه ورسالته وشرائعه لا تخضع للظروف أو للأهواء بل هي كاشفة لحقائق الحياة ، متناسبة مع السنن التي لا تتغير ، ولذلك يجب على الناس الإستلهام مباشرة منها دون الاستسلام للأوصياء عليها من الأحبار والرهبان باسم الدين وترك حبل الرسالة على غارب رجال معينين .
وقد جاء في الأحاديث المأثورة عن عدي بن حاتم ، أنه قال : ( أَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ صلى الله عليه وآله :
يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ
. قَالَ : فَطَرَحْتُهُ وَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ صلى الله عليه وآله وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ - اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ - : حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا . فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ . فَقَالَ صلى الله عليه وآله :
أَ لَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ الله فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ الله فَتَسْتَحِلُّونَهُ
. قَالَ فَقُلْتُ : بَلَى . قَالَ صلى الله عليه وآله : فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ )
« 1 » .
هامش
( 1 ) بحارالأنوار ، 9 ، ص 98 .