فَذُوقُوا الْعَذَابَ .
وكلمة أخيرة : إن هذه الآية والتي قبلها تدلان بوضوح إن على السلطات التي تصد عن المساجد ، وتعتدي على حرية الناس فيها ، وتتجاوز على حرماتها ، وتريد تحويل المساجد إلى مراكز للفساد والمنكر يقام فيها الشعائر دون لبابها إنها سلطات جائرة يجب مقاومتها حتى يعذبها الله بأيدي المؤمنين .
[ 36 ] كان ذلك صورة عن الممارسة السياسية لهذه الفئة . أما الممارسة الاقتصادية فإنها خاطئة أيضاً ، إذ أنها تخدم أهداف الطغاة وتصد عن سبيل الله ، وعن إقامة العدل وإشاعة الرفاه .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ينفقونها من أجل طبع الكتب الضالة ، وتمويل الصحف المسبحة للطاغوت ، وإشباع أدعياء العلم والدين من خدم السلطات المتجبرة ، أو ينفقونها لتمويل الحروب ضد المؤمنين أو قمعهم .
بيد أن هذا الإنفاق سيكون حسرة عليهم إذ لا ينفعهم شيئا ، بل يضرهم كثيرا وسينتهون إلى جهنم جميعا فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ .
[ 37 ] ولكن كيف يسبب انفاق هؤلاء للصد عن سبيل الله غلبة المؤمنين عليهم ؟ .
يجيب القرآن على هذا السؤال :
أولًا : لأن هذا المال يفصل الطيب عن الخبيث في واقع المجتمع ، فالطيب لا تخدعه الثروة فيزداد طيبا . بينما الخبيث الذي كان يتظاهر بالإيمان يظهر أمره ويكتشف عند المجتمع .
ثانياً : إن العناصر الخبيثة يجد بعضها بعضاً فيتكتلون ، فحين تثور الجماهير ضدهم لا ينقذون أنفسهم منهم جميعاً لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ .
من هدى القرآن — صفحة 193
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٩٣