ودليل تأييد الله نصره المؤمنين في بدر الذي سبق الحديث عنه ، وهذا دليل آخر يبينه الله حين خطط الكفار لإلقاء القبض على الرسول صلى الله عليه وآله أو إعدامه أو لا أقل نفيه ، ولكن مكر الله وخططه الحكيمة سبقتهم وأفشل خططهم الماكرة ، حيث أمر الله رسوله بالهجرة إلى المدينة . فلما جاء الكفار وجدوا عليًّا عليه السلام قد افتداه بنفسه وبات مكان قائده الرسول صلى الله عليه وآله وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إذا نفذ المؤمنون خطط ربهم الرشيدة فهم الأعلون لأن أهم بنود الخطة الرشيدة في الصراعات الاجتماعية هو النشاط والتعاون والاستعداد للتضحية ، والذوبان في بوتقة الخطة بعيداً عن الذاتيات والمحاور الخلافية . وكل هذه البنود توفرها التربية الإيمانية ، كما أن الإيمان يعطيك الفرقان والرؤية الصافية إلى الأحداث ، ويزكي قلبك عن الأهواء والشهوات وردود الفعل التي تغشي رؤية المرء وتدفعه إلى اتخاذ مواقف خاطئة وهكذا ، وبفضل الله يصبح مكر المؤمنين أنفذ من مكر أعدائهم .
[ 31 ] وكان من مكر الكفار الفاشل وخطتهم الغيبية ، إنهم بثوا إشاعات ساذجة فقالوا : إن آيات القرآن ليست بتلك الدرجة من البلاغة والعلم ، فلقد سمعناها ووعيناها ولو شئنا لقلنا مثلها . ولكننا أناس تقدميون ، وهذه أفكار رجعية يتشبث بها الأولون المعتقدون بالخرافات وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ .
[ 32 ] وكان من خطط حربهم الاعلامية تظاهرهم بالتحدي والمباهلة فقالوا : يا رب لو كان كلام الرسول حقا فعجل بالعذاب علينا كان تمطر السماء حجارة وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ .
موعد العذاب
[ 33 ] ولكن هل الله يبعث العذاب حسب طلب الناس ، أم وفق الحكمة البالغة التي عنده ؟ إنه لا يعذب قوماً حتى يستنفذوا كل فرص الهداية عندهم ، وحتى لا يبقى فيهم أثر من الإيمان . ودليل ذلك إنه ما دام الفرد يشعر بالندامة بعد الذنب ويستغفر الله ، فإنه لا يعذب حتى ولو طلبه من ربه . وعدم نزول العذاب عليه ليس دليلًا على صحة كل أعماله أو مجمل طريقته كلا بل هو دليل على وجود جوانب إيمانية في واقعه ، هي التي تمنع العذاب عنه وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ تدعوهم إلى الهدى وربما يستمعون إليك ، ووجود نبي الرحمة وسيد الخلق كما وجود الصالحين في الأمة سوف يمنع عنها العذاب لحين خروج أولئك