كيف نبلور جوهر الذات ؟
[ 172 ] كما حبة حيّة يدفنها التراب والوحل والسماد ولكنها تنشط وتتحدى وتخرج إلى النور وتبرز حيويتها وقدراتها ، وإمكاناتها وتعطي ثمراتها ، كذلك كل واحد من أبناء البشر يدفنه ركام الخرافات ، ووحل الضغوط والشهوات ، عليه أن ينشط وأن يتحدى وأن يبلور جوهرته الإنسانية ، وأن ينبعث خلقاً جديداً ، وهذه مسؤولية الإنسان ، وذلك ميثاق الله الذي تعهد به كل فرد من أبناء آدم وحواء .
ولكن كيف يبلور الواحد منا جوهر الإنسانية في ذاته ، ويصبح ذلك الإنسان الذي فضله الخالق وأكرمه وخلقه في أحسن تقويم ؟ .
إنما عن طريق الاتصال المباشر بالله ، والانطلاق من الإيمان به نحو بناء حياة جديدة لنفسه ، مستقلة عن تقليد الآباء ، وحرة بعيدة عن الغفلة والنسيان .
لقد كنا في صورة ذرّ - كما جاء في أحاديث صحيحة - ، وكنا في صُلب آدم عليه السلام ، أو كان بعضنا في صلب البعض ، وأخرجنا الله سبحانه وأشهدنا على أنفسنا وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ قد يكون معنى هذه العبارة أن ربنا أخرج كل ولد من ظهر والده . وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ الغفلة لا تكون تبريرا مقبولًا للبشر عند الله ، بل يجب أن يتحدى البشر حجاب الغفلة بنور التذكر ، وبوهج العقل الذي يشع في ضمير البشر في بعض الأحيان إن لم يكن دائما .
[ 173 ] أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ أن هذا التبرير ليس سليماً ولا مقبولًا عند الله ، إذ أن الله قد أخذ الميثاق من كل واحد منا وحمله مباشرةً مسؤولية الإيمان ، وإذا قصر جيل في إيمانه فأن الأجيال القادمة غير معذورة باتباع ذلك الجيل الأول ، وهذه الآية تحذر من التقليد ببلاغة كافية .
[ 174 ] وربنا الحكيم يذكرنا بهذه الحقائق لكي نعود إلى فطرتنا ، ونبلور جوهر الإنسان في ذواتنا ، ونرفع عن أنفسنا غشاوة الغفلة وأغلال التقاليد وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .