تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
على ذنب اقترفوه غفلة . [ 157 ] يزعم البشر : أنه متكامل ، وأن ما به من نقص وعجز فإنما هو بأسباب خارجة عن إرادته ، ولكي لا يزعم العرب هذا الزعم ، ويتصوروا أنه لو أنزل الكتاب عليهم لكانوا أفضل من اليهود والنصارى في تطبيقه . أنزل الله الكتاب عليهم وقال سبحانه : أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ ويتحدى القرآن الحكيم فيقول : ها هو الكتاب نزل عليهم وفيه ثلاث مزايا : الأولى : أنه حجة واضحة ، ودلالة بينة على الحقيقة . كما المعالم تدل على الطريق ، وكما الدخان يدل على وجود النار ، والصوت على وجود صاحبه . الثانية : أنه إذا طبقه الفرد هداه إلى الحقيقة ، كما إذا سار الفرد في الطريق حتى وصل إلى غايته ، أو استدل بالدخان فتحرك حتى رأى النار ، ورأى صاحب الصوت مباشرة . القرآن هدى للمتقين ، فليس فقط يقود الفرد إلى الحقيقة ، بل وأيضاً يجعل الفرد يلامس الحقيقة . الثالثة : وحين يجد الفرد الحقيقة فإن جانباً أساسيًّا من تطلعه يتحقق وهو عطشه نحو الحقيقة . أما الجانب الثاني فهو السعادة والفلاح ، وبالتالي الاستفادة من نعم الله سبحانه ورحمته ، ويلخص القرآن هذه المزايا وهو يتحداهم بالقول : فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ البينة كما المعالم في طريق الحقيقة ، والهدى الوصول إلى الحقيقة ، والرحمة هي : نِعم الله فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا أعرض عن آيات الله التي تتضمن تلك المزايا التي فيها تطلع الإنسان الأساسي في الحياة ، كما إذا عطش الفرد ولكنه حين وصل إلى الماء كذب بأنه ماء ، وأعرض عنه ، إن فطرة كل واحد منا تتعطش للحقيقة أكثر مما يتعطش الكبد الحار للماء البارد ، وإن حاجات كل واحد منا الطبيعية تتطلب إشباعها وهذا التطلب وذاك التعطش قد يكون المراد من تعبير القرآن في بداية الآية : أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ ولكن كم يكون ظلم الفرد لنفسه كبيراً حين يخالف فطرته وحاجاته لأجل عقدة نفسية ، أو استكباره عن الحقيقة ، أو مراعاة ظروف اجتماعية أو ما أشبه ؟ ! سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ .
من هدى القرآن — صفحة 456 | السيد محمد تقي المدرسي