ثانياً : إن النهاية التي جعلها الله لمثل هؤلاء هي العذاب الشديد . إذن فهم ليسوا بخارجين عن دائرة المسؤولية التي من أجل الهروب منها تشبثوا بمثل هذه الأفكار الباطلة .
كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا
ثم - وبعد أن يشكك هؤلاء بأفكارهم - يطرح عليهم هذا السؤال : هل هذا علم أم ظن ؟ ، إن مجرد طرح هذا السؤال يعني جعل شرعية الأفكار مناطة بالعلم لا بالمصلحة ، وبالتالي فضح جذور الفكرة ، وأنها نابعة من الهوى ، وبما أنهم لم يدعوا العلم لأنهم لا يعترفون بالحق ( بل بذاتهم ) حتى يبحثوا عن العلم الذي يهديهم إليه ، ولكن مع ذلك لا يمكنهم إنكار شرعية العلم .
ثم يؤكد القرآن الحقيقة في أمر هؤلاء ، ويقول : إن اعتماد هؤلاء هو على التصور والوهم والتصور ( الظن ) هو الكذب المتعمد ، والوهم هو الشك ( الخرص ) .
قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ وهم لا يستطيعون إنكار ذلك . إذ أنهم لو أنكروه فقد فتحوا باب المباحثة البناءة ، والحوار الفاعل على أنفسهم ، وهو يضرهم لأنه يعيد الشرعية للحق والعلم لا للهوى والظن .
لا للحتمية
[ 149 ] لم يحتم الله على البشر الضلالة ، ولا رضي بها . إذ لم يجبرهم على ترك ضلالتهم ، بل وفر لهم فرصة الهداية كاملة ، فأعطاهم الحجة البالغة ، وبقي عليهم أن يقوموا بدورهم في استيعاب الهداية ، كما أن الله قادر على أن يجبر الناس على الهداية ، ولكنه لم يفعل ، كما لم يجبر الناس على الشرك . . فليس تركه للناس دليلًا على رضاه سبحانه لأنه أتم الحجة عليهم قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ .
الاستشهاد
[ 150 ] إحدى الوسائل الفعالة لتمييز الحق عن الهوى ، والعلم عن الظن ، والصدق عن الكذب ، هي طرح الأفكار على عقول الناس ، واستشهادهم عليها ، ذلك لأن الناس حتى ولو كانوا يتبعون الهوى والظن فإنهم حين يقيمون أفكار الآخرين ، فليس من الضروري القبول بها أو التصديق ، ذلك لأن مصالح الناس مختلفة ، وأهواءهم متفاوتة ، وبالتالي كل حزب بما لديهم فرحون . بيد أن شهادة الناس ليست دليلًا على الحق ولو كانت دليلًا على بطلان الهوى . فهي
من هدى القرآن — صفحة 443
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٤٣