حقيقة الانتماء
[ 53 ] والتنافس بين الناس متجذر في فطرتهم حتى في الدين ، حيث يسعى كل فريق أن يكون هو الأقرب إلى صاحب الرسالة ، وأن يكون الفريق الثاني الأبعد ، ولذلك فإن كثيراً من الناس يبتعدون عن الدين فقط لهذا السبب ، لذلك حذر القرآن الحكيم من هذا الأمر وقال :
وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا فكانوا هم السابقين إلى اعتناق الدين الجديد ؟ ! .
ويجيب الله على هذا السؤال الذي يطفح بالاستنكار : أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ نعم إن الله منَّ على هؤلاء بأن وفقهم لقبول الرسالة ، ولكن ليس عبثاً ، بل لأنه عرف أنهم أشكر من غيرهم لنعمة الرسالة ، وأي فرد كان شاكراً لله وعارفاً بحق الرسالة فسوف يوفقه الله سبحانه أيضاً .
[ 54 ] إن انتماء البسطاء إلى الرسالة لا يعني الغض عن سيئاتهم ، بل الإغماض عن تلك السوابق ، التي ارتكبوها بجهالة ، وقبل أن يصل مستوى وعيهم وإيمانهم وتربيتهم حدًّا كافياً يردعهم عنها ، أما في المستقبل فليس عليهم التوبة فقط ، وإنما إصلاح أنفسهم أيضاً .
وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ أي إنكم في أمان ، لا خوف عليكم كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وهذه هي الرحمة التي كتبها الله على نفسه ، وهذا هو السلام ، فالإسلام يَجُبُّ ما قبله ، ويبدأ الفرد معه حياة جديدة .
[ 55 ] ومع العفو العام الذي تقتضيه هذه الرحمة الربانية الشاملة ، يتميز المجرمون المعاندون عن الجاهلين . حيث أن الفرد الذي يستمر في الخيانة والظلم ، ولا يصلح نفسه بعد العفو العام فليستعد للعقوبة .
وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ الذين يختارون طريقاً غير طريق الله بعمد وسبق إصرار .
من هدى القرآن — صفحة 356
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥٦