تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
بأمره ، والرابطة الوثيقة بين الإنسان وبين الكون هي أنهما معاً مخلوقان لله ، مدبَّران بأمره سبحانه . ولكن الإنسان يملك - بإذن ربه - ميزة أساسية بين الخلائق ، وهي أنه سيدها الذي سخرها الله له ، ولذلك فهو يحمد ربه . وإذا أراد الإنسان أن يكرس في ذاته صفة السيادة على الكون ، فليس عليه سوى المزيد من الارتباط بربه الذي سخر الكون لأمره . بينات من الآيات : [ 1 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ إن الله سبحانه لم يهب السماوات والأرض خلقهما فقط ، بل قدر لهما أمورهما ، ونظم شؤونهما ، فكل شيء في السماوات والأرض محدود بحدود معينة حددتها حكمة الله ، وعلمه الواسع ، وقدرته المطلقة . فالشمس لها وزنها وسعتها ، وحرارتها وكثافتها ، ومدارها ومجراها ، ونهايتها وبعدها عن سائر الشموس السابحة في الفضاء . كذلك الأرض والقمر والكواكب والنجوم ، وهكذا الحال لكل شيء موجود في الأرض ، حتى الذرة لها حدودها التي لا تتجاوزها . وعندما نقول : حدودها نعني : أن كل شيء ينتهي وجوده عند حد معين ، وبعدئذ لا يملك وجوداً أو بتعبير آخر : ينعدم في خارج حده ، مثلًا : التفاحة موجودة في مساحة معينة وفي وقت محدود . أما فيما وراء تلك المساحة ، وذلك الوقت فلا وجود للتفاحة ، كذلك فإن الله قدر - بحكمته وقدرته - الوجود والعدم ، فجعل كل شيء موجوداً في حدود معينة ، وجعله معدوماً فيما وراء ذلك . إذن فهو جاعل العدم والوجود ، ومقدرهما ومدبرهما . وربما يشير إلى هذه الحقيقة قوله تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ذلك لأن الظلمات رمز لكل عدم ، بينما النور رمز لكل وجود . أمام هذه القدرة والحكمة المطلقة ، لا يسعنا إلا الحمد ، والحمد هو ذلك الموقف الرشيد الذي لابد أن نتخذه من ربنا ، ولكن كم هو بعيد وشاذ موقف الكفار حيث يشركون بربهم ، ويضعون الله سبحانه عدلًا للأنداد من دونه . تعالى ربنا عما يصفه المشركون ! ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ . الشك لماذا وكيف ؟ [ 2 ] إن الإنسان في هذا الكون الواسع محاط بقدرة الله ، وما عليه إلا أن يعرف هذه الحقيقة ، ويعترف بها ، ولا يرتاب فيها ولا يشكك نفسه في ذلك ، لأن الشك قد يكون عفويًّا ،