فالعقل يهدي صاحبه إلى أن الإله لن يكون متغيراً ، وأنه فوق القوى . . ومن خلال التطلع والتأكد بأن الظواهر الكونية لا تصلح لأن تكون إلهاً ، سيعرف المرء أن الرب الحق هو الذي يهديه إلى نفسه ، وأن ما لا يصلح أن يكون رباً ، لا يصلح أيضاً أن يكون نصف رب ، وأن يشرك به شيئاً ، ولذلك يجب رفض جميع الآلهة إلا الله سبحانه وتعالى .
وبعد أن تبين الآيات السالفة قصة المعاناة الشخصية لإبراهيم ( عليه السلام ) ؛ قام هذا النبي الجليل بردّ أقاويل قومه ببساطة حكيمة ، إذ أكد لهم في ( الآيات : 80 - 83 ) أن الخوف يجب أن يكون من الله لا من القوى المخلوقة له سبحانه ، لأن تلك القوى تقع ضمن دائرة إذن الله وعلمه ، وأمر أن يعودوا إلى فطرتهم ليتذكروا الحقيقة .
ومن جانب آخر ، فإن تلك الرسالة التي أهبطها الله على قلب النبي إبراهيم ( عليه السلام ) بعد أن وجده أهلًا لها ، ثم بعد دخولها مرحلة الصراع المرير ، أصبحت اليوم تياراً يهدي به الله مجموعة من الأنبياء العظام . . ولم يكن هؤلاء وحدهم في الساحة ، وإنما كان معهم الآباءوالذرية والإخوة الذين اجتباهم الله على علم منه بهم ، نظراً لصلاحيتهم للعمل الرسالي ( الآيات : 84 - 88 ) .
وتذكرنا ( الآيات : 89 - 92 ) بحقائق عن الذين يشكلون خط الرسالة ، بعد أن أخذ الله على نفسه أن يحفظ ويديم سلامته واستقامته ، ليكون قدوة للناس من دون أن يحملهم أجراً ، بل ليذكرهم بالحقيقة فقط . ثم هذا الكتاب الذي أنزله ، إنما ليكون منهجاً للنمو والرشد والتكامل ، وهو في ذات الخط الرسالي المستقيم .
و ( الآيات : 93 - 94 ) تشير إلى أن الظلم ظلمان ؛ فقد يغتصب الفرد حق صاحبه المادي ، وقد يغتصب فكر الناس ويضلهم ويضل نفسه عن الحق ويحرف مسيرة البشرية ، وهذا النوع الثاني أكبر خيانة وأخطر ضرراً .
ولكن كيف يختار لنا الشيطان طريق الضلالة والإفك والانحراف عن مسيرة التوحيد والله هو الذي فلق الحب والنوى ، وهو الذي يحيي الموتى ويميت الأحياء . . وغير ذلك من آيات الخلقة العظيمة المباركة ؟ ( الآيات : 95 - 99 ) .
وجاء في ( الآيات : 100 - 103 ) ما يذكرنا ببعض الصفات الإلهية في إطار ما يعطينا الله من المعرفة بذاته ، وأنه كلماازدادت معرفة الإنسان بربه ، زادت معرفته بصفاته وأسمائه الحسنى ، ومن ثم معرفته بسائر المعارف التوحيدية ، كالعدل والنبوة والإمامة والمعاد وغيرها . .
وعادت ( الآيات : 104 - 108 ) لتذكر المؤمنين بأن الشرك مضلل لأهله ، حتى أنهم
من هدى القرآن — صفحة 309
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٠٩