معجزة المائدة بين الإيمان بالغيب والشهود
[ 111 ] وأهم من ذلك أن الله اعتمده اعتماداً وجعله رسولًا وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
[ 112 ] ودعم الله موقف عيسى ( عليه السلام ) بأن استجاب دعاءه حين طلب منه بنو إسرائيل بأن يأتيهم بالمعجزة البينة ، وذلك للدلالة على أنه نبي فعلًا .
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ أمرهم عيسى ( عليه السلام ) بالتقوى ، لأن التقوى ، تزيد الإنسان يقيناً ، وإيماناً وصدقاً وإذا زكى الإنسان نفسه استطاع أن يفهم الحقائق بدون معاجز إضافية .
[ 113 ] ولكن بني إسرائي ازدادوا إصرارا في طلبهم : قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ إنهم قالوا : إننا بحاجة إلى اطمئنان القلب وليس غيره ، كما قال إبراهيم ( عليه السلام ) لربه : بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ البقرة : 260 ] .
ثم نريد أن تطمئن قلوبنا بصدق الرسالة وصدق الرسول قالوا : إننا نريد أن يكون موقفنا في الدعوة إلى الله ، موقفاً حاسماً . إذ فرق بين أن يكون الإنسان مؤمناً بشيء إيماناً غيبيًّا وبين أن يكون إيمانه إيماناً بالشهود ، فآنئذ يستطيع أن يكون كلامه أكثر حسماً وقاطعية إذ قليلًا ما يشك الناس في صدق المؤمنين إذا ادعوا بأنهم رأوا البراهين بعينهم ، بينما قد يتشككون في الإيمان الغيبي وقد ينسبون ذلك إلى صفاء النية ، وبساطة الفكر ، وسذاجة النفس .
[ 114 ] قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا أي يكون يوماً مشهوداً يتذكره الناس ويجددون ذكراه عاماً بعد عام ، لتبقى ذكرى المائدة عالقة في أذهان الجميع ، وبالتالي تكون القصة عبرة لكل الأجيال .
وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ إنها آية تدل على معجزة الله ، ولكن عيسى ( عليه السلام ) طلب الرزق الدائم لقومه .
[ 115 ] قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ لأن هناك فرقاً بين الكفر الصريح بعد الإيمان النابع من الشهود العيني ، وبين الكفر بعد الإيمان الغيبي الذي قد لا يكون عميقاً .
من هدى القرآن — صفحة 298
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩٨