دُونِ اللَّهِ إن أولئك الذين اتخذوا عيسى وأمه إلهين من دون الله ، إنما أرادوا التهرب من مسؤولية أعمالهم ، والادعاء : بأن عيسى وأمه ( عليهما السلام ) سوف ينقذانهم من عذاب الله حتى ولو عملوا بالجرائم ، فأراد الله أن يبين لهم : أن هذين العبدين لا يمكنهما ، تحدي أوامر الله ، فيما يخصهما فكيف بما يتعلق ببعض من يدعون أنهم أتباعهما .
قَالَ سُبْحَانَكَ أي أنك أجل من أن يعبد أحد من دونك ، بل أنت أجل وأعلى من أن يدعي أحد أنه ند لك .
مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إذ أني مجرد رسول من قبلك للناس ، ومسؤولية الرسول هو التقيد بتعاليم من أرسله بلا زيادة ولا نقيصة ، حتى ولو كان كلام الرسول حقاً فإن حدود مسؤوليته تستوجب ألا يتجاوز حدود ما أمر الله بتبليغه ، فمثلًا : رسول الله لم يكن يستطيع أن يشرح من القرآن ما لم يحن وقته ، بالرغم من أن القرآن ذاته كلام الله الحق المبين .
إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ إن مسؤولية الإنسان أمام ربه ليست كمسؤوليته أمام شخص كعيسى ( عليه السلام ) ، أو أمام نظام أو قانون ، إذ قد يغيب على الشخص العلم ببعض أعمال الفرد ، بينما الله سبحانه علام الغيوب ، لا يعلم فقط أعمال الإنسان ، بل يعلم أيضاً خلفيات هذه الأعمال .
دور الرسول
[ 117 ] إن دور الرسول هو دور المبلغ والشهيد ، أما التبليغ ، فإن مسؤوليته هي : نقل رسالة الله بلا زيادة أو نقيصة ، وأما الشهادة فتعني : مراقبة مدى تطبيق الأفراد لهذه الرسالة ، ومحاولة هدايتهم إلى الصراط المستقيم ببيان طريقة تطبيق المبادئ ، وقد أدى عيسى ( عليه السلام ) هاتين المسؤوليتين بأمانة وقال : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ بيد أن شهادة الرسول هي شهادة محدودة ، إٍنها شهادة وقتية ، تختص بأيام حياته أما بعدئذ فإن الله هو الشهيد .
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ تراقب أعمالهم لتحاسبهم عليها في الدنيا والآخرة ، أما رقابة الله لأعمال العباد فتنعكس في جزائه لهم عليها جزاءً عاجلًا في الدنيا ، أو آجلًا في الآخرة ، من دون أن يقدر أحد على الفرار منها ، وهذا يدفعنا إلى فرض رقابة ذاتية على أنفسنا ألا تصدر منا غلطة ، يسجلها ربنا ويحاسبنا عليها سريعاً .
وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ شهادة الله هي : هيمنته المباشرة على الحياة التي تتجسد بنصر
من هدى القرآن — صفحة 301
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٠١