تحدثت الآيات السابقة عن العامل الأول .
وهاهي الآية تتحدث عن العامل الثاني الذي يبرز دوره في الحقوق الاجتماعية ، فلو كان ضمير المجتمع حيًّا ، ويحس بمسؤوليته ، فإنه يقضي على الظلم وهو في المهد . إذ ما إن يظلم أحد من الناس حتى يردعه أقرب الناس إليه . من قراباته أو أصدقائه أو زملائه ، وبالتالي من أولئك الذين يرجو أن يدعموا موقفه الظالم . بل قبل أن يهم الظالم باغتصاب حق فإنه عادة ما يستثير القريبين منه ، ويحاول تهيئة الأجواء لجريمته ، فإذا كان المجتمع واعياً فإنهم يمنعونه عن تنفيذ مخططه فيقتلون الظلم وهو نطفة قبل أن يولد .
وهناك مرحلتان متدرجتان لقيام المجتمع بمسؤوليته تجاه الظلم :
الأولى : منع الظلم ، وإقامة العدل .
الثانية : في حالة وقوع الظلم التعاون على إزالته ، وذلك بالشهادة ضده ، ولمصلحة صاحب الحق ، وليس للإنسان أن يسكت عن إعلان موقفه من الظلم وذلك بالشهادة لصاحب الحق ، أنى كانت الظروف ، فلأن صاحب الحق ضعيف أو غريب أو فاجر ، أو لأن الظالم له قوة أو من أقربائي أو أصدقائي أو . . أو . لا أستطيع لأي من هذه المبررات أن أسكت عن الشهادة . بل علي واجب أن أشهد لصاحب الحق .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ أي اعملوا على تطبيق العدالة . لأن صرح العدل في المجتمع بحاجة إلى جهد ضخم ليتم بناؤه .
شُهَدَاءَ لِلَّهِ أي أقيموا الشهادة بهدف مرضاة الله لا خوفاً أو طمعاً من أحد حتى ولو كانت الشهادة ضد مصالحكم .
وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا أي لا عليكم إذا كان من تشهدون له غنيًّا أو فقيراً ، بل هذا أمر يخص الله . أما أنتم فاشهدوا لله .
فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا فلا يضلنكم حب المصلحة ، أو حب الأقارب من إقامة العدل بالشهادة أو بالتنفيذ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً أي أن تنحرفوا قليلًا أو كثيراً فإن الله خبير بكم .
من هدى القرآن — صفحة 138
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٣٨