بينما غاية التدبر شيء آخر ، فالكلمة مشتقة من ( الدُّبْر ) وهو مؤخرة الشيء ونهايته ، وهذا يوحي بأن التدبر هو تجاوز ظواهر المعاني والغور إلى معرفة ما وراءَها .
قال العلامة الطبرسي قدس سره : [ التدبّر : النظر في عواقب الأمور ] « 1 » . وعاقبة الأمر هي ما يؤول إليه الأمر ، وهو تأويله . قال الله سبحانه وتعالى : هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ « 2 » ، وقال عز وجل في قصة يوسف عليه السلام : قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ « 3 » . فتأويل الإنذار هو تحقق ما انذر به واقعًا ، وتأويل الرؤيا تحوّلها إلى حقيقة واقعة ، ويبدو أن التدبر هو البحث عن التأويل .
فلهاتين المفردتين ( التفسير ، التدبر ) أبعاد مختلفة :
1 - التدبر ممارسة آلية للفهم ، بيد التفسير توضيح للفهم الذي يحصل عند المفسِّر .
2 - غاية التدبر أوالتفسير - نظريا - مختلفة . فغاية التدبر معرفة العاقبة والبحث عن النظائر والمصاديق في الخارج ليقترب من التأويل . وغاية التفسير هو تبديد الغموض المرتبط بظاهر الآيات ، بغض النظر عن المصداق في الخارج ، فالتفسير يستهدف تبيان الصورة العامة للآية . بَيْد أن دراسة هذا الظاهر للنفاذ للباطن ( السنن العلمية ) هو هدف التدبر . لذا فإنّ التفسير يهتم بالتحليل اللغوي أكثر مما سواه ، ويأتي التدبّر من بعده لأنّه ينطلق إلى السنن الكامنة وراء ظاهر الآية .
3 - كلمة ( التدبر ) هي من الصيغ التي تنطوي على الإشارة إلى بذل المجهود في الأمر ، والذي يستخدم الإنسان فيه طاقاته ، فكلمة ( تَصَرَّفَ ) غير كلمة ( صَرَفَ ) إذ الأولى تعني السيطرة على الشيء ، ومحاولة صرفه بقوة أو بجهد ، كذلك ( التحدُّث ) يعني استخدام الجهد في الحديث ، وهكذا فإن ( التدبّر ) يعني بذل الجهد في التفكير للوصول إلى معرفة عواقب الأمور .
نعم هذه المفارقات دلالية ، بينما في الواقع الخارجي قد نجد في أعمال كثير من المفسرين أنّه من نوع التدبّر إذ يتجاوز الظاهر إلى الواقع ، بلى إن مفردة ( التفسير ) قائمة على الكشف ولا تشير إلى الجهد ولا إلى العمق ، بينما في مفردة ( التدبّر ) نجد إشارة إلى بذل الجهد في سبيل الوصول إلى العمق .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 3 ، ص 370 .
( 2 ) الأعراف : 53 .
( 3 ) يوسف : 37 .