مثل رؤية القيادة ، فعليها أن تصلح رؤيتهم ، قبل إصلاح صفاتهم أو أعمالهم .
من هنا يجب أن تتعود القيادة على العفو ، ولكن لا يعني العفو السكوت إلى الأبد عن الانحراف ، بل يجب العمل من أجل إصلاحه . وذلك بالاستغفار ( طلب الغفران من الله ) ، والدعاء بالمغفرة - كأي دعاء آخر - يجب أن يقرن بعمل مناسب ، وهو محاولة الإصلاح .
ثم إن القيادة يجب أن تقوم برفع مستوى الناس ، وذلك عن طريق التشاور . ذلك أن التشاور يجعل الناس يتحسسون بمسؤولياتهم ، فيفكرون في شؤونهم بجدية أكثر ، ويحاولون إصلاح أنفسهم بأنفسهم ، كما أن القائد يضطر من خلال التشاور إلى بيان مختلف وجوه الأمر للناس ، مما يعمق فيهم معرفتهم بالحياة ، ويجعلهم أكثر إحساسا بواجباتهم تجاهها .
بيد أن هذه الصفات يجب ألَّا تُنزل القائد إلى مستوى منسق بين الآراء ، أو الإرادات فقط ، بل عليه أن يحتفظ بحقه في اتخاذ القرار الحازم . ذلك لأن الأمة التي تفقد ( القرار ) تفقد كل شيء ، لأن القرار هو الذي يتجاوز الاختلافات ، ويعطي دفوعات هائلة للأمة باتجاه تجاوز العقبات ، التي تضخمها عادة الخلافات في الرأي .
من هنا فقد قال الله : فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ القائد يجب أن يكون صاحب قرار ، ولكن القرار يحتاج إلى قوة إرادية هائلة ، من أين يأتي بها القائد ؟ من التوكل . ذلك أن التوكل على الله ( وليس على الناس ) يجعل القائد سابقا لأمته ، رائدا في مسيرتهم ، يعطيهم أبدا روحا جديدة ، ويجعله أكثر حزما وإقداما . . وبالتالي أكثر قدرة على تفجير طاقات أمته وتحريك فاعلياتها .
[ 160 ] وبمناسبة الحديث عن التوكل ، يذكرنا القرآن بدور التوكل في حياة المؤمنين ويقول : إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ فليست القيادة وحدها التي ينبغي أن تتوكل على الله ، بل المؤمنون أيضا ، وذلك لأن النصر الحقيقي آت من الله ، ومن رسالته التي يتمسك بها المؤمنون ، وليس من قوة السلاح أو كثرة العدد .
[ 161 ] ويتابع القرآن حديثه عن القيادة ، وعن الشكوك التي حامت حولها بسبب جو الهزيمة ، والشائعات المفروضة ، التي بثها المنافقون وزرعوها في النفوس الضعيفة ويقول : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ النبي الذي اختاره الله ليس ممن ينطوي قلبه على نية سوء لامته ، ويتظاهر بغيرها ، ذلك أن هذه الازدواجية سوف تنكشف في يوم القيامة ، حيث تبلى سرائر الناس جميعا .
من هدى القرآن — صفحة 479
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٧٩