عنهم . وكذلك حبطت أعمال هؤلاء في ( الآخرة ) لأنه كما جاء في آية أخرى : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ [ المائدة : 27 ] .
وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ فلا تنصرهم أعمالهم المحبطة . كما لا ينتصر لهم تأريخهم الحافل بالجرائم أو انتماؤهم الكاذب إلى الرسالة .
تفسير الدين على الهوى
ثم تناولت الآيات المشكلة الثانية وهي تفسير الدين حسب أهوائهم . . فقالت :
[ 23 ] أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، إن هذا الكتاب هو كتاب اليهود الذي جاء ليرفع اختلافهم ويوحد طاقاتهم ، فبدل أن يتحاكموا إليه ، ويتنازل كل فريق عن أهوائه ، وآرائه ، ومصالحه تسليما لأمر الكتاب وخضوعا لحكمه ، بدلا من ذلك أعرضوا عن الكتاب وبذلك جردوا واقعهم الاجتماعي من أهم منفعة فيه .
إن أية أمة رسالية لا تستطيع الاستمرار والتصاعد إذا لم تجعل كتابها المقدس فوق رغباتها ومصالحها ، والأمة الإسلامية لا تخرج بالطبع عن هذه القاعدة .
ولكن يبقى سؤال : ما هي العلة وراء رفض الاحتكام إلى الكتاب ؟
تجيب الآية التالية :
[ 24 ] ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فالفكرة العنصرية هي التي فرَّغت واقع الأمة من الروح الرسالية ، وأبقت الممارسات الدينية مجردة من محتوياتها الاجتماعية الإصلاحية . إذ الأمة لا ترى في البدء تفضيلا لها على سائر الأمم إلا بقدر توفر قيم الحضارة فيها من التعاون على البر والتقوى والنشاط والتنظيم ، ولذلك تتسابق إلى بلوغ المزيد من هذه القيم . ولكنها قد تصل إلى درجة من التشبع الحضاري « 1 » فتتحول نظرتها إلى ذاتها ، وتحسب أنها مفضلة على غيرها لما فيها من روح إلهية ، وما في غيرها من طينة العبودية ، وآنئذ لا تجد في ذاتها باعثا إلى عمل الخير ، أو رادعا عن فعل الشر . فماداموا قد خلقوا لرضوان الله والجنة ، خيرا عملوا أم سوءاً ، وما دام أعداؤهم قد خُلِقوا لسخط الله والنار ، مهما عملوا من خير أو شر فلماذا
هامش
( 1 ) الاشباع والاحساس الكاذب بالوصول إلى قمة العلم والمعرفة والايمان والتطور ، والانخداع بمكيدة شيطانية تؤكد لهم قربهم الكبير من الله تعالى .