إن ضرورة الالتفاف حول القيادة الشرعية رغم تنوع رجالها وتعددهم ونبذ القيادة الكافرة ، يعتبر موضوعاً رئيسياً لهذه السورة المباركة .
وتتحدث هذه السورة عن الوحدة المبدئية التي تربط رسالات السماء ببعضها ، كما تربط عناصر الأمة فيما بينها ، وكذلك تفصل بين الأمة الإسلامية وبين الأمم العنصرية الأخرى . فالمبدأ هو المقياس وهو القيمة ، فهو الذي يفصل بين الأخ وأخيه ، وهو الذي يربط بين العربي والأعجمي .
ومن هنا ؛ تشير آيات سورة ( آل عمران ) إلى فكرة ( العنصرية ) ، والتي تتجسد في عبادة أشخاص ، واتخاذهم آلهة من دون الله ( مثل عيسى عند النصارى ) . باعتبار أن هذه الفكرة هي جذر فكرة العنصرية ، وهي تمثل أخبث ثمرة لتقديس الذات . لذلك يفصِّل القرآن الحديث حولها .
وهذه السورة ، تتحدث في البدء عن الله الذي أنزل الكتاب بالحق ليهدي الناس ؛ ولأن الله لا يخفى عليه شي ء ، فهو أحق أن يهدي إلى الحق ( الآيات : 1 - 6 ) .
والكتاب الذي يمثل الدين الحق ، لا ريب فيه ، وإنما يختلف فيه البعض لأنهم يبتغون الفتنة ، ويعتمدون تحريف الكتاب بسبب ابتعادهم عن المسؤولية ، فهم لا يؤمنون باليوم الآخر ، ويزعمون أن أموالهم تغنيهم عن العذاب ( الآيات : 7 - 13 ) .
إن الشهوات هي وراء انحراف الناس عن الحق ، وإنما الخلاص منها بالإيمان بالآخرة ، وبما أَعد الله للصابرين عن الشهوات من أجر عظيم ( الآيات : 14 - 18 ) .
ورسالة الله إلى الإنسان واحدة ، لأنها تشع من المشكاة ذاتها ، بيد أن اختلاف الناس فيها نابع من أنفسهم المريضة ، التي تريد الظلم والبغي . ولكي تتخلص البشرية من الاختلاف ، فلابد أن يتكامل إيمانها بالله تعالى ، وتبتعد عن العنصرية ، وتعرف أن الله يراقب تحركاتها ، وتؤمن بيوم الجزاء وتتبع رسل الله ( الآيات : 19 - 32 ) .
وقد اختار الله رسله ؛ لأنهم اتبعوه الله وأخلصوا له العبادة ، فليست هنالك أية عنصرية ، وليس النبي عيسى إلا عبداً لله ، امتحنه الله فاختاره لرسالته . وإذا لم يكن عيسى عليه السلام إلا عبده ، جزاه الله بصالح عمله ، فهل يقدر البشر أن يتقدموا بلا عمل صالح ، ولمجرد أنهم من عنصر مقدس ؟ ! .
إن العنصرية هي أسوأ ما تعانيه البشرية ، وهي الطرف المعاكس والمتناقض تماماً مع الرسالية .
من هدى القرآن — صفحة 368
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٦٨