القدير المليك المقتدر العليم المهيمن ، هو القيوم الذي وسع كرسيه السماوات والأرض .
الثانية : أن القائم بالقسط هو الله الذي لا إله إلّا هو . فالقيوم حقاً هو الله ، وله الولاية الحق . أما قيمومة غيره ، فهي بما خوّله الله له من الولاية تكويناً ، وفي حدود ما أمر به تشريعاً .
[ 256 ] هذا هو ربنا وهذا علاه وعظمته وهذه قدرته وسلطانه ، أفتتخذ بعد ذلك إلها من دونه ، أو قائدا لا يرضى ربنا به . إن القلب الذي عمر بالإيمان بالله ، كيف يعظم أحدا سواه ، أم كيف يعبد إلهاً من دون الله ، وكيف لا يرفض ويلفظ هؤلاء الأقزام الذين يطغون في الأرض بغير الحق ويأمرون الناس بطاعتهم .
لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ إن الدين لا إكراه فيه . والهدى الذي يُكره عليه لن يهتدي به أحد ، وإنما هو إكمال الحجة وإتمام عناصرها ، ليستبين الرشد ويتمايز عن الغي .
وفي الجهة الثانية إن الاستسلام للطاغوت ضعف يفقد الإنسان استقلاله ووعيه وحريته ، ومن هنا يكون الإنسان مسؤولًا عن ضلالة نفسه ، حيث يُسلم قياده للجبت والطاغوت ، فيحجب نور العقل عن نفسه .
لقد خلق الله البشر ليبتليهم ، وجعل مادة الابتلاء الاهتداء . ولو شاء لجعل لهم الهدى بالفطرة كما نور أعينهم ، فاهتدوا إلى الحق جميعاً . ولكن أين إذن شرف الحرية ، وأين حكمة الاختيار ؟ .
ومن هنا لا يكون هَمُّ المؤمنين جبر الناس على الهدى ، وإنما إبلاغ آيات الهدى إليهم ، حتى يتبين لهم الحق . إن شدة وضوح ( قيمومة ) الله تعالى وهيمنته ورحمانيته لا تحتاج معها إلى بيان آخر يبرهن على أنه هو الإله الحق ، لا إله إلا هو .
إذن ينبغي للناس أن يعبدوه بطاعته وأن يتخذوه وليًّا من دون الشركاء والطواغيت .
بيد أن الخطوة الأولى هو في التمرد على الباطل ، كما النفي في كلمة التوحيد فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لأنه استعاد حريته وإنسانيته ، واستطاع أن يستثمر طاقاته في السبيل الأقوم . وأية قوة هي أقوى من الإنسان حين يكفر بالطاغوت ، ويتمرد على كل سلطة تستعبده وتستغله ، ثم يؤمن بالله ويعمر قلبه بالثقة والأمل والتواضع للحق والتسليم له ؟ ! .
إن القوة الحقيقية في هذا الكون هي قوة الحرية ( الكفر بالطاغوت ) وقوة الحق ( الإيمان بالله ) . والله يؤيد بنصره من يشاء ، وهو سميع لما يقولون من كلمة كفر أو إيمان ، وعليم بما يضمرون من نية صالحة أو خبيثة .
من هدى القرآن — صفحة 340
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٠