الله الموتى . كذلك أخَّر الله إحياء الحمار حتى تتم العملية أمام عينه ، وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا نركِّبها بعضها على بعض ونرفعها إلى بعضها - بدقة - . ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهذه هي الحقيقة التي لابد أن نفهمها جيدا . وهي أن قدرة الله ليست محدودة كما هي قدراتنا .
[ 260 ] وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي « 1 » .
ذلك إن الإيمان درجات أعلاها : درجة اليقين والاطمئنان ، الذي يطرد تماما شيطان الشك من النفس ، ولا يعود الإنسان يرتاب أبدا فتسكن النفس ( الطمأنينة ) وتستقر . لكن السؤال ليس عن أصل الإحياء ( البعث ) ، فتعبير أَرِنِي كَيْفَ أنّه عليه السلام طلب الرؤية والشهود عيانا لكيفيّة حصول البعث لا البعث نفسه . وجواب إبراهيم عليه السلام : بَلَى يقطع توهم ؛ بأن الخليل انتابه شك .
وقد أرى الله الخليل عليه السلام ( الكيف ) ، وأراه من ملكوت خلقه : وَكَذلِكَ نُري إِبْراهيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَاْلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنينَ [ الأنعام 75 ] .
قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ( صرهنّ ) من ( الصور ) أي التقطيع ، ومعنى التقطيع أنسب من المعاني الأخرى كالميل والنداء بدلالة جُزْءاً أي خذ أربعة من الطير واذبحهنّ وقطّعهنّ واخلطهنّ .
ثُمَّ ادْعُهُنَّ بأسمائهن الواحد بعد الآخر . . الغراب ، الحمام ، العصفور ، وهكذا . . يَأْتِينَكَ سَعْياً .
إذن ؛ فالبعث يكون للجسم وللروح معاً ، وهذا معنى الإحياء ، كما أن تجمع الأجزاء المتناثرة واضح في ذلك ، وهو ما رآه إبراهيم عليه السلام بعينيه ؛ أي ضم الأجزاء وعود الروح فيها .
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فهو قادر ويفعل بقدرته في الحياة ما يشاء فهو عزيز الجانب لا يغلبه أحد ولا شيء وهو حكيم لا يتصرف عبثا ومن دون هدف .
هامش
( 1 ) عن صفوان قال : [ سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قول الله لإبراهيم : أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أكان في قلبه شك ؟ قال عليه السلام : لا ؛ كان على يقين ولكنه أراد من الله الزيادة في يقينه ] . مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 195 .