التقوى والحقوق الاجتماعية
وتجربة التقوى في الحقوق الاجتماعية الأخرى تبرز بوضوح في حقوق اليتامى . إذ إنهم أضعف حلقة في المجتمع ، إذ لا يقدرون على الدفاع عن أنفسهم تجاه نهم الطامعين في أموالهم ، لذلك نجد القرآن يضرب من واقعهم مثالا لحرمة الحقوق في أكثر من مناسبة . وهنا يقول : وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى هل يبقون وحدهم ، أم يخالطونهم ، وبالتالي هل تفرز أموالهم ويقوم الولي بإصلاحها واستثمارها ، أم تبقى مع أموال الولي يصلحها معها ؟ .
قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وليس يضركم لو نقص شيء منكم أو منهم في الشراكة . لأن الحرام هو تعمد الاعتداء على أموال الآخرين ، أما لو خلصت النية وكان المشرف عليها محسنا ، في تصرفاته تجاه اليتيم ، فإن الله لا يحاسبه على خطئه مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [ التوبة 91 ] ، وجاء في بعض النصوص : [ لما أنزل الله وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ [ الإسراء : 34 ] الآية ، وإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً [ النساء : 10 ] ، انطلق كل من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه واشتد ذلك عليهم فسألوا عنه فنزلت هذه الآية ، لكي لا ينفصل الأيتام عن المجتمع ] « 1 » .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إذا اعتديتم على حقوق اليتامى . والتظاهر بالإصلاح بالتشدد في العزل ليس دليلا على الصلاح ، فالاصلاح يعني إدارة أموالهم ، وربما اقتضى اختلاط الأموال ، والنوايا هي الفيصل ، فإنه قادر على أن يسلب بعض نعمه عنكم حتى تعانوا مثلما جعلتم اليتامى يعانون من الحرمان . وربما تدل الآية على أن الله خفف عليكم الحكم بعد الشدة ولم يأمركم بإدارة اليتامى ، مع فرز أموالهم عن أموالكم .
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فهو قادر على استرداد الحقوق بعزته ، ويفعل ذلك بحكمته .
التقوى وحقوق المرأة
[ 221 ] وكما التقوى في حق اليتامى ، فكذلك في حقوق المرأة ، الحلقة الضعيفة الثانية في المجتمع ، التي يجب المحافظة على حقوقها بالكامل . والقرآن الحكيم ربط بين حقوق اليتامى والنساء في أكثر من مناسبة ، وبهذه المناسبة يبين القرآن مجموعة التزامات تجب على المسلم في الجنس ، ابتداء من اختيار الزوجة ، ومرورا بالعملية الجنسية ، والخلافات العائلية ، والطلاق ، والرضاع . وهي تنظم كذلك علاقات المجتمع الإسلامي ، ولكن يبدو أن الهدف من ذكرها
هامش
( 1 ) مجمع اليان : ج 2 ، ص 558 .