مسؤولية الحفاظ على الوحدة
[ 210 ] وهذا يعني أننا نحن المسؤولون عن المحافظة على وحدتنا بالاعتماد على هدى الله وبيناته ، وليس من الصحيح أن ننتظر الله أن يأتي ويفضّ خلافاتنا إذ الحياة امتحان التقوى ، والإنسان حر عاقل ، ولله الحجة البالغة ، حيث أن هداية الله للعباد متواترة ، أو ننتظر مثلا الإمام الحجة ( عج ) حتى يصلح ما بيننا بطريقة غيبية . إنها آنئذ حين يأتي أمر الله ( لا كما ادعت اليهود ) ويتغير الكون ويُقضى الأمر بقيام الساعة . وهنالك لا مسؤولية على أحد ، حيث ينتهي التكليف ، ولا تؤخر العقوبة عن أحد . فالآية تتساءل استنكارا وتتهكم بأهل الكتاب ، وتذكرنا بالمسؤولية .
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ كناية عن مجيء أمر الله ( سبحانه ) مع كل ملكوته . وَقُضِيَ الأَمْرُ أي آنئذ انتهت حياة المسؤولية ، وآنئذ تتبدل الحياة ، فلو أراد الله بالجبر أن يصلح بين العباد بالخير ، فالحياة تكون غير هذه الحياة . أما هنا الدنيا فنحن بأنفسنا مسؤولون عن تصفية خلافاتنا وإصلاح أمورنا ، ثم بعدئذ نَمْثُل أمام الله للمحاكمة في الآخرة . وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ .
[ 211 ] والأمم السابقة لم تنزل عليهم ملائكة الله ، بل نزلت عليهم البينات ، وكان عليهم أن يستفيدوا منها في تحقيق مسؤولياتهم ، ومع ذلك فإن بعضهم لم يستفد منها . بل بدل فيها وحرّف ، وما ظلموا إلا أنفسهم .
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ لكن بعضهم بدل هذه الآيات . وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وقد يكون العقاب في صورة شياع الفوضى بينهم ، وضرب بعضهم ببعض نتيجة إهمالهم لرسالة الله ، وتورطهم في الخلافات الداخلية .
لماذا الاختلاف ؟ !
[ 212 ] ولكن يبقى السؤال الهام : لماذا أساسا يختلف الناس ؟ وما هو جذر المشكلة ؟
الجواب : أنهم يختلفون لأن الدنيا زُيِّنت لقلوبهم ، فمقاييسهم دنيوية ويقوِّمون الأشياء والآخرين وفقها . ولكن المؤمن لا يتمحور حول الدنيا بل الآخرة ، ولذلك فهو يتقي الدنيا وشهواتها وفواحشها ، وهنا يظهر جليًّا مدى أهمية التقوى في إنشاء حياة كريمة ، لأنها تسحب
من هدى القرآن — صفحة 297
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩٧