تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
[ 207 ] عكس المنافق تماماً ، المتقي الذي لا يكتفي بعدم التمحور حول ذاته ، بل يبيع نفسه لله أيضا وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ، وحين يشري نفسه يجعلها تدور مدار الحق وتتبعه أنَّى اتجه ، سواء كان عند خاصته وقرابته وجماعته ومن يعلوه كرئيسه ، أو كان عند خصمه البعيد عنه أو مرؤوسه . إنه يعرف الحق ولا يعرف أية قيمة أخرى ذاتية كانت أو طاغوتية اجتماعية . إنه لا يفكر بعد أن باع نفسه لله أن يثبت لأحد أنه فعل ذلك ، أو أنه مخلص ، أو يُشهد الله على ما في قلبه ، كلا إنه يعرف أن الله بصير به فيبقى مخلصا لربه العليم بحاله ، ويكفيه ذلك من الناس ، فتراه خاشعا لله مسلما له راضيا بأقداره ، نشيطا في ابتغاء مرضاته ، متصلبا في ذات الله ، ثائرا ضد أعداء الله ، لا ترهبه قوى العدو ، ولا تأخذه في الله لومة لائم . هذه هي شخصية المتقي فهل نجدها في أنفسنا ؟ الوحدة ضرورة جهادية [ 208 ] المجتمع الإسلامي مجتمع حرب دفاعية ضد أعداء الإنسانية وأعداء الرسالة ، ولا يمكن لهذا المجتمع أن يواجه تحديات الحرب من دون وجود وحدة داخلية متينة ، لذلك يدعو القرآن في الآية وقبل الحديث عن الحرب في الدرس القادم إلى الوحدة ، ويجعلها مسؤولية كل الأفراد ويقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إن رحاب السلام يتلوث بالحساسيات الصغيرة التي تتراكم على بعضها حتى تصبح سحابة داكنة ، وعلى أي فرد مسلم داخل المجتمع أن يقاوم نمو هذه الحساسيات ، ولا يتبع خطوات الشيطان منذ البداية ، لأن الشيطان يستدرج الإنسان خطوة خطوة إلى الجحيم . فعلينا أن نحدد عدونا الحقيقي وعدو الجميع ( الشيطان ) ونحذر من أول خطوة يدعونا إليها ، وهي الحساسية ضد أحد من إخواننا ، واعتباره عدوا لنا من دون الشيطان . [ 209 ] فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمْ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ثم يحذر ربنا المسلمين من السقوط في درك الخلافات الجاهلية النابعة من الشهوات ، وينذرنا بأنه عزيز فلا يفوته هارب ، ولا يغلبه غالب ، وأنه حكيم يجازي الناس حسب أفعالهم لا حسب أهوائهم وأمنياتهم وادعاءاتهم .
من هدى القرآن — صفحة 296 | السيد محمد تقي المدرسي