باندفاع السيل ، آنئذ حيث تميل الشمس إلى المغرب ، تستعد جموع الحجاج للتحرك إلى المشعر ، ليرمزوا بذلك للسعي المشترك في سبيل الله ، وعلى الدرب الذي حددته رسالة الله ، دون أي تمييز بين الطبقات المختلفة .
وقد كانت الجاهلية تعطي لبعض القبائل شرف تقدم الناس في الإفاضة ، فكانت تقف أمام الجماهير وتتحرك من نقطة أقرب إلى المشعر من سائر الناس ، أو تفيض من المشعر ذاته . وجاءت الآية صريحة بإلغاء هذا الامتياز والبدء بالمسيرة مع الناس وقالت : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ من النقطة ذاتها التي يفيض منها الناس .
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ليشعر كل إنسان بأنه مذنب أمام ربه ، وأنه لا يجوز له أن يزكِّي نفسه ويجعلها أشرف من الآخرين ، فكلنا عباد الله وقد يكون الوضيع منا شريفا عند الله بل وأشرف من الذي يزعم نفسه شريفا . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .
كيف نربح الدنيا والآخرة ؟
[ 200 ] بعد المشعر يفيض الحاج إلى منى حيث يؤدي مناسكه من : تقديم الهدي ، ورمي الجمار ، والتقصير ، وآنئذ يجتمع الحجاج في منى ليبنوا حياتهم وفق تطلعاتهم ، فينقسم الناس إلى نوعين : فمنهم من يذكر الله وينتمي إليه قبل أن ينتمي إلى أهداف أو أرض أو قوم ، ويريد أن يبني حياته وفق نهج الله ، ومنهم من يستعجل في الحصول على مكاسب الدنيا ، دون أن يفكر في الآخرة فيخسرهما جميعا .
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ في منى ، رميا للجمرات ، وهديا لله ، وحلقا أو تقصيرا ، وبالتالي بالتحلل من أكثر مظاهر الإحرام .
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً حتى يصبح انتماؤكم الأول إلى الله ، فيوحدكم الإيمان به ، وتصبح أرض منى منطلقا للتعارف والتعاون والأمل ، ولكن يبقى هذا الهدف مرتبطا بمنطلقات معينة .
فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ لا يملك أي رصيد في الآخرة . لأنه يريد كل جهوده أن تثمر في الدنيا ، هؤلاء ليس لهم في الآخرة نصيب في الدنيا .
[ 201 - 202 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ
من هدى القرآن — صفحة 291
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩١