الهدف الحضاري للقتال
[ 193 ] والقتال في حالة اشتعاله ذو هدف حضاري هو القضاء على الفساد بكل ألوانه ( التفرقة ، حكم الجبابرة ، الأنداد الباطلة ، أسباب الظلم ) وإقامة حكم الله في الأرض ، لا حكم طائفة على طائفة ، أو أشخاص على أشخاص حكم الله الذي يطبق على القادة كما يطبق على الناس .
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ الدين بمعنى الالتزام بالسيادة ، أي حتى يلتزم الناس جميعا بحكم الله في الأرض .
مرة أخرى يذكر القرآن بأن الهدف من القتال ، ليس القتال ذاته ، بل هو وسيلة مرحلية فقط ، فهو لدرأ الفتنة التي تحول بين الناس والدعوة فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ الذين يعتدون على الناس ، فيسترد النظام الإسلامي حقوق الناس منهم بالقوة .
متى تحفظ الحرمات ؟
[ 194 ] ويبقى سؤال : لماذا سمح الله للمسلمين بالقتال عند المسجد الحرام ، أو في الشهر الحرام ، حيث كان العرب يعتبرون القتال حراما فيهما ؟ أفليس الإسلام دين سلام ؟
ويجيب الله على هذا السؤال بالقول : الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ إن حرمة الشهر الحرام كانت تعطي فترة من الهدوء للعرب ، لعلهم يحلون اختلافاتهم سلميًّا ، ولكن بعضهم كان يستغل هذا الهدوء ، لشن حروب عدوانية ضد المسلمين ، فأمر الله الأمة بالرد عليهم . إذ إن الحرمات قصاص ، فما دام الفرد يحترم حقوق الآخرين ، تحترم حقوقه . أما إذا اعتدى عليها ، فإن الواجب استرداد الحقوق منه بالقوة وهذه الآية تفتح آفاقا واسعة في التشريع الجنائي .
وبالطبع حتى هنا لا يجوز الاعتداء عليه أكثر من اعتدائه ، ويؤكد القرآن هذا الواجب وفي الوقت ذاته يحدد أهم قضية أرادها من الحديث عن القتال هنا ويقول : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ الأمة الإسلامية والفرد المسلم يجب أن يكونوا ملتزمين بحدود الله ولا يتجاوزونها ، وهذه من أهم مسؤوليات الأمة .
الإنفاق ضرورة قتالية
[ 195 ] وبمناسبة الحديث عن القتال ، تحدث القرآن عن الإنفاق ، باعتباره ضرورة
من هدى القرآن — صفحة 284
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨٤