هدى من الآيات :
بعد الحديث عن جوانب من شخصية الأمة الإسلامية ، تُحدِّثنا هذه الآيات وتلك التي تليها ، عن مجموعة من واجبات الأمة وفرائضها وشعائرها الدينية . ويبدأ الحديث بالقصاص باعتباره واجبا اجتماعيًّا ، يتصل بالمحافظة على حرمة النفس . وبعدئذ يتحدث عن الوصية كواجب اجتماعي يتصل بحرمة المال . وسواء الدم أو المال ، فإن احترامهما يعني احترام الإنسان كإنسان . إذ ليس المال سوى جهد مكثف للإنسان ، والذي يعتدي على المال ، حتى ولو كان ذلك بعد حياة الشخص ، فهو يلغي حياة صاحبه وجهوده .
وبعدئذ يتحدث القرآن عن الصوم والجهاد والحج كواجبات اجتماعية دينية ولكن يبقى السؤال : ما هو سبب وضع القصاص والوصية في سياق الصوم والجهاد والحج ؟
الجواب : أن القصاص والوصية هما الآخران واجبان اجتماعيان يكلف بهما جميع أبناء الأمة ، كالصوم والجهاد والحج . ومن جهة أخرى ، إن من أهداف المجتمع الإسلامي في الشعائر والواجبات هو المحافظة على حياة الناس وأموالهم ، فكان من الطبيعي أن يتحدث القرآن سلفا عنهما .
بينات من الآيات :
[ 178 ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى إنه مكتوب على الأمة ، مفروض على كل واحد من أبنائها تطبيقه ، ولكن هذا حق يطالب به صاحب الدم وتُكلَّف الأمة بانتزاعه له ، أما إذا عفا صاحب الدم فهو حر في ذلك .
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ إن الله يضع حول شرائعه لمسة إحساس وعاطفة ، من أجل ألَّا تكون الأنظمة كلها صارمة وجامدة لا تتوافق مع بعض الظروف . انه يُعطي هنا لصاحب الدم الحق في العفو ليصبح صاحب الدم والجاني أخوين . وعلى الجاني أن يراعي هذه الأُخوة الجديدة بالمعروف والإحسان ، أي يجب أن تتحول الجناية إلى عامل إصلاح في حياة الجاني . فإذا به يصبح صاحب المعروف بأن يدفع الدية حسب المتعارف ، وصاحب الإحسان الذي يسعى من أجل إسعاد أولياء القتيل بأية وسيلة ممكنة ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ .
من هدى القرآن — صفحة 272
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٢