[ 57 ] دال : وبعد أن أنقذ الله بني إسرائيل برسالته الكريمة عن مشاكلهم ( استعباد فرعون ، عبودية العجل ، طبقة أصحاب العجل ، رواسب الشرك ) اسبغ عليهم مختلف النعم المادية وقال سبحانه : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى فهناك نعمة السكن ونعمة الغذاء . والمن هو الحلوى . والسلوى هو طير معروف . كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ولكنهم كفروا بأنعم الله . . مثلما يحدثنا القرآن بعدئذ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ إنهم أرادوا الدخول في المدينة ، وكانت تلك نكسة لهم . إذ الاستقرار كان سيفقدهم الكثير من مزاياهم ، ومنها بالطبع حريتهم وقدرتهم على مواجهة أعدائهم . ولكنهم تعبوا من حياة البدو ، وأسلموا أنفسهم للخفض والدعة . فقال لهم الله : اهْبِطُوا مِصْراً .
[ 58 ] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ولكي يضمن لكم الاستقرار في المدينة فعليكم التزام الطاعة لله ، والتضرع وحسن السلوك وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً لله وَقُولُوا حِطَّةٌ أي توبة إلى الله نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ .
[ 59 ] ولكن ، يبدو أنهم لم يطبقوا تعاليم الله ، فأخذوا يتكبرون ويسرفون ويقولون ( حنطة خير لنا من حطة . . ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ متمثلا في نقص في الثمرات ، وخلاف عريض بينهم على مغانم المدينة . حسبما يذكره القرآن في آية آتية . والسبب في ذلك الرجز هو فسقهم ، وابتعادهم عن تعاليم الله .
[ 60 ] تلك كانت نعمة الاستقرار التي أسبغها الله عليهم ، ولكنهم كفروا بها . وهذه نعمة الماء الأشد ضرورة للعمران يسبغها عليهم ربنا ويقول : * وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ لأنهم كانوا اثنتي عشرة قبيلة مختلفين . وكان من المفروض ألَّا تتداخل حياتهم مع بعضهم لوجود الحساسيات القديمة بينهم كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ولكن مع توافر النعم تنمو عند الإنسان حالة الطغيان ويقوم بالاعتداء على الآخرين ، أو الإسراف في استهلاك المواد . من هنا حذرهم الله فقال : وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ .
[ 61 ] كان بنو إسرائيل أمة بدوية ثم تحضرت . ولكنها لم تستطع أن تقاوم سلبيات التحضر فأستعبدها فرعون في مصر ، وتجذرت بذلك حالة العبودية في نفوسهم . فأصبحوا ضعفاء جبناء مختلفين لا يثق بعضهم ببعض . ثم قادهم النبي موسى عليه السلام إلى سيناء . وتربى في الصحراء جيل منهم استعادوا بعضا من خصائصهم الأولى التي تميزوا بها حين كانوا بدوا . ولكن كثيرا من آثار مرحلة العبودية لم تزل في نفوسهم وحين طلبوا من نبيهم أن يأذن لهم
من هدى القرآن — صفحة 186
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٦